روايات وقص

د الفلاشه لمست الصينيه المعدن

الفلاشة لمست الصينية المعدن بصوت يرن في أذني زي جرس إنذار. أمي كانت واقفة مسنودة على الحيطة، وشها أبيض زي الطباشير، وعينيها متثبتة على حتة البلاستيك الصغيرة دي كأنها شايف المشنقة بتترفع قدامها. سيد أخويا بلع ريقه ببطء، خطوة ورا خطوة كان بيحاول ينسحب ناحية الباب، بس الأمن كان سبق وحط إيده على مقبض الباب المقفول.

 

مسكت الفلاشة بصباعين بترعش. الحقيقة كانت أتقل من إن عقل يستوعبها. أمي وأخويا، الدم واللحم، مش بس حاولوا يقلبوني في شقا عمري، دول كانوا بيموتوا مراتي وبنتي بالبطيء!

“هات الفلاشة دي يا حسام.. دي حاجتي!”، أمي هجمت عليّ فجأة بظوافرها، صوتها الشرشوح المبحوح هز صالة الطوارئ.

قبل ما تلمسني، دكتور الطوارئ وقف في وشها، ومستشفى المطرية اللي دخلناها كانت بدأت تتزاحم. الظابط دخل من باب الطوارئ مع اتنين عساكر، عينيه جابت المكان في ثانية، لمس القماش الملوث في الكيس، وبص لأمي وسيد: “مين صاحب الكلام ده؟”

“يا باشا دي تهمة ملفقة!” سيد صرخ، عروق رقبته هتنط، “مراته مجنونة وهي اللي سلت السكينة على نفسها وبنتها عشان تلبسنا مصيبة! أمي ست كبيرة وحاجة بركة، تروحوا تحسبوها على أوهام حريم؟”

بصيت لسيد ببرود يرعب. بصيت للساعة الدهب اللي في إيده، للقميص اللي لسه بيكيسه. “الفلوس فين يا سيد؟ المليون وأربعمية ألف بتوع تعليم ندى وشقا عمري في الغربة.. راحوا فين؟”

سيد اتلعثم، عينه زادت حيرة وأمي قطعت عليه الكلام بزعيق: “فلوس إيه يا ابن بطني؟ أنت بتهمني أنا وأخوك بالسرقة عشان خاطر واحدة لمة من الشارع؟ الفلوس دي فلوسنا! أصلك نسيت خير أباك عليك!”

الظابط شاور للعسكري: “هات الفلاشة دي يا حسام بيه، ونطلع على المكتب فوق. الدكتور قال إن الحالة مسمومة بمبيد حشري، وده بلاغ الشروع في قتل مش مجرد خناقة عائلية.”

ساعتين في مكتب النيابة جوه المستشفى مروا كأنهم قرون. كارت الميموري انحط في جهاز اللابتوب بتاع وكيل النيابة. السكوت كان قاتل، ما كانش بيقطعه غير صوت تكتكة الماوس.

أمي كانت قاعدة على الكرسي بتهز رجلها بهستيريا، وسيد عرقان لدرجة إن قميصه بقى مبلول بالكامل. وكيل النيابة داس على ملف الصوت الأولاني.

صوت شوشرة خفيفة، وبعدها طلع صوت ندى بنتي، مكتوم وصغير: “تيتا.. أنا جعانة، ماما مش قادرة تقوم تفتح الباب.. هاتي لي حتة عيش.”

وجاء رد أمي، نقي وواضح زي السم: “غوري من وشي يا بت! أمك الدلوعة فاكرة نفسها هانم؟ خليها تتمطع في السرير، ما فيش أكل ولا مية لحد ما تخلي رجلها تطأ الأرض وتمسح البيت كله! وقفل النملية معايا مفتاحه في جيبي، لما تنطق وتقول فين كارت البنك، هبقى أرميلكم لقمة ناشفة.”

صوت سمر مراتي كان جاي من بعيد، ضعيف ومتقطع: “حرام عليكي يا حجة توحة.. البت هتموت من الجوع.. خدي الذهب.. خدي كل حاجة، بس سبينا نخرج نروح المستشفى…”

وصوت سيد أخويا يتدخل في التسجيل، نبرته الواثقة القذرة: “يا أمي خلصينا، حسام قدامه يومين ويرجع من الخليج. لو البت ماتت أو جرالها حاجة قبل ما نرفع دعوى الحجر وننقل التوكيل، المخطط كله هيبوظ! هاتي كارت البنك أنا عرفت الباسورد من ورقة كانت في المكتب، هسحب المليون وأربعمية ألف وأحطهم في حساب الشركة الجديدة، وبكده حسام لما يرجع مش هيلاقي مليم، وسيادة المحامي هيثبت إن سمر هي اللي سحبتهم وهربتهم عشان مجنونة!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى