
صوت شيرين كان عامل اللي بيمشي على زجاج، فيه حدة ونشاز يخلي الشعر يقف: ـ أيوه قلتله يا هشام! قلتله إنك راجل مكسور، وإن كل مرة بيركب فيها العربية ويفارقك، أنت بتقعد بالثلاث أيام ما بتحطش لقمة في بقك! قلتله إن الدكتور قال إن قلبك مش هيستحمل الحزن ده تاني، وإن جوازنا هينتهي والبيت ده هيروح لو هو اختار يرجع للمكان اللي تهد فيه كل حاجة! قلتله إنك محتاجه.. أنت فعلاً محتاجه، ولا أنت نسيت كنت بتعيط إزاي في الصالة هنا لما كان بيمشي؟
منة، الواقفة ورا الباب المورب، حسرتها كانت أثقل من أن أي دموع تعبر عنها. أيديها كانت ماسكة في الحيطة الرخام لدرجة إن أظافرها كادت تلمس الحجر. العيل اللي عنده طموح يشتري كشكول عليه صورة لاعب كورة، ومهموم هل السويت شيرت الرمادي اتغسل ولا لأ، محطوط بقاله أسبوعين تحت مكبس نفسي يرعب كبار! حاطين على كتافه الصغيرة مسؤولية حماية أبوه من الموت، وحماية بيت كامل من الخراب!
صوت هشام نزل زي الصاعقة، صوت راجل مكتوم وبيكتشف إنه كان عايش مع ثعبان:
ـ أنتِ مجنونة؟ أنتِ عبيتي دماغ الواد إن موتي وخراب بيتي هيبقوا في رقبته هو؟ أنتِ عارفة أنتِ عملتي إيه في عيل عنده 12 سنة؟ ده أنا ساعات كنت بلاحظ إنه بصاصلي بقلقتين ومش فاهم، أقول الولد كبر وبدأ يفهم.. أثاريكِ كنتِ بتبخي السم ده في ودنه كل يوم وأنا في شغل؟
ـ أنا بعمل كده عشانك!
ـ أنتِ بتعملي كده عشان أنانيتك! عشان خايفة أرجع لمنة! عشان حاسة إنك ظِل في البيت ده وما قدرتيش تملي الفراغ اللي سابوه!
هنا، منة ما قدرتش تمسك نفسها أكتر من كده. ما بقاش فيه مجال للحسابات، ولا للصبر، ولا حتى للذكاء الاجتماعي. الذئبة اللي جواها صحيت لما حسيت إن ضناها بيتفترس.
فتحت الباب بضربة واحدة رجت الشاليه كله. الباب خبط في الحيطة بصوت زي ضربة النار.
هشام وشيرين اتلفتوا بزهول. شيرين شهقت وحطت إيدها على بقها، ووجهها اصفر زي الورق الميت. هشام رجع خطوة لورا، عينيه اتسعت وهو شايف منة واقفة على العتبة، مش هي الست الهادية بتاعة كل مرة، دي كانت زي الإعصار اللي ملوش أول من آخر.
ـ أين سيف؟
صوت منة نزل واطي، بس فيه نبرة تخلي الدم يتجمد.
هشام اتلعثم:
ـ منة.. أنتِ.. أنتِ جيتي إزاي؟
ـ بقولك أين سيف يا هشام؟
شيرين حاولت تلملم شتات نفسها، وقفت وربعت إيديها، حاولت تلبس وش القوة المزيفة:
ـ أنتِ داخلة البيت كده إزاي؟ ده بيت مقفول، وأنتِ مالكيش حـ…
منة ما سابتهاش تطلع الكلمة. خطت خطوتين سريعين، وقربت من شيرين لدرجة إن المسافة بينهم بقت شبر. عين منة كانت في عين شيرين، ونفسها سريع وطالع منه حرارة الغضب:
ـ لو نطقتي كلمة زيادة يا شيرين، مش هتشوفي النور تاني. أنتِ فاهمة؟ أنتِ بتلعبي مع أم.. والأم لما تحس إن حد بيلعب في دماغ ابنها ويهد صحته النفسية، ما بيبقاش فاضل عندها حاجة تخسرها. فين سيف؟
هشام جه بسرعة، حاول يمسك إيد منة يهدّيها:
ـ منة، اهدى، كل حاجة هتتحل..
ـ أوعى تلمسني!
زعقت فيها بصوت هز الشاليه، ودبت برجلها في الأرض:
ـ أنت كمان حسابك معايا مش دلوقتي! سايب الست دي تاكل في عقل ابنك بقالها أسبوعين وأنت مش هنا؟ فاكر نفسك أب لمجرد إنك بتدفع المصاريف وبتاخده كل ويك إند؟ أنت ما لاحظتش إن الولد سكت؟ ما لاحظتش إن ضحكته اختفت؟ ما شفتش الخوف اللي في عينيه لما كان بيسألك عن صحتك؟ أنت عمى؟
هشام نزل رأسه في الأرض، الكلمات كانت زي السياط على ظهره، عارف إنها بتتكلم صح، وعارف إن تقصيره وسهوته خلت المأساة دي تحصل تحت سقفه.
في اللحظة دي، أتفتح باب الأوضة اللي في آخر الممر الفاضي.
طلع منه سيف.
الولد كان شكله يكسر القلب. لابس التيشيرت الأبيض اللي أمه اشتريتهوله، بس البنطلون كان مجعد، وشعره منكوش، وتحت عينيه هالات سودة كأنه ما نامش بقاله أيام. كان ماسك في إيده الموبايل، وجسمه كله بيرتعش. لما شاف أمه واقفة في نص الصالة، عينيه اتملت دموع، بس ما جريش عليها.. وقف مكانه كأنه خايف يخطو خطوة واحدة.
ـ ماما..
منة أول ما شافته، كل الغضب اللي كان جواها اتمسح، وحل مكانه وجع أمهات يهد الجبال. نزلت على ركبتيها على السيراميك، وفتحت دراعاتها الاثنين:
ـ تعال يا سيف.. تعال يا حبيبي.
سيف بص لشيرين بنظرة مرعوبة، وبعدين بص لأبوه.
هشام شاف النظرة دي، وحس بسكين بتغرس في قلبه. الولد كان بيستأذن بخلجة خايفة، كأنه لو راح لأمه، أبوه بجد هيجراله حاجة!
هشام قرب من سيف، ونزل لمستواه، وصوته كان بيتخنق بالدموع:
ـ روح لأمك يا سيف.. روح يا بني. بابا كويس، بابا ما فيهوش حاجة.. ما تصدقش أي كلام اتقالك. روح.
سيف بصلهم بذهول، وبعدين انطلق زي السهم. اترسخ في حضن منة، دفن وشه في رقبتها وبكى بصوت طالع من أعمق نقطة في روحه. بكاء طفل كان شايل جبل على ضهره وأخيراً الجبل وقع. منة حضنته بقوة، كانت بتشم ريحته وتبطبط على ضهره، ودموعها نازلة على شعره:
ـ خلاص يا حبيبي.. خلاص يا سيف.. محدش يقدر ياخدك مني، ولا حد يقدر يحملك حاجة أنت مالكش ذنب فيها. أنت عيل يا سيف، مسؤوليتك تلعب وتذاكر وبس.. بابا وماما كبار وهم اللي يشيلوا نفسهم.
شيرين كانت واقفة تتفرج، وفي عينيها مزيج من الغل والفشل. قربت خطوة وقالت ببرود مستفز:
ـ برضو ما جاوبتيش يا منة.. الولد قال بنفسه إنه عايز يفضل هنا. القانون بيدي للولد في السن ده حق الاختيار أمام القاضي.. ولو طلب يفضل مع أبوه، أنتِ مش هتقدري تعملي حاجة.
منة وقفت ببطء، وهي ماسكة إيد سيف جامد ورا ضهرها. رفعت رأسها وبصت لشيرين بنظرة كبرياء وشموخ يرهب:
ـ قانون؟ أنتِ بتتكلمي عن القانون يا شيرين؟
طلعت موبايلها من جيبها، ورفعت الشاشة قدام وش شيرين وهشام.
ـ الموبايل ده كان بيسجل من أول ما قدمي عتبت الجنينة برة. كل كلمة قيلت، كل تهديد، كل ابتزاز نفسي مارستوه على طفل عنده 12 سنة عشان تثبتوا بيه أركان بيتكوا الفاشل.. كله متسجل بصوتك وصوت هشام.
شيرين لونها اتقلب للون الرماد، وشفايفها بدأت تترعش:
ـ أنتِ.. أنتِ بتسجلي في بيت مقفول؟ دي !
ـ الجريمة هي اللي أنتِ عملتيه في ابنها!




