روايات وقص

د صوت شيرين

منة زعقت بقوة وقربت منها:

ـ التسجيل ده بكرة الصبح هيكون عند المحامي بتاعي، وبجلسة واحدة، القاضي مش بس هيحرم هشام من الرؤية المباشرة، ده ممكن يأذيكِ أنتِ شخصياً بتهمة تعريض طفل للخطر والتلاعب النفسي. فما تفتحيش بقك عن القانون عشان القانون لو اتطبق، أنتِ أول واحدة هتدخلي السجن!

هشام اتصدم، بص لشيرين وبص لمنة، وقال بنبرة انكسار تامة:

ـ منة.. أرجوكِ.. بلاش تدخلي المحاكم تاني. أنا أسف.. أنا أخطأت، وسكت، وما خدتش بالي. حقك عليا، وحق سيف عليا.

منة بصت له بنظرة جافة، ماليان قرف:

ـ أنت خسرت حقك في الكلام يا هشام. أنت سبت الست دي تكسر ابنك عشان راحتك الشخصية.

سحبت إيد سيف، ولفت ضهرها عشان تمشي.

سيف كان ماشي وراها، بس قبل ما يوصل للباب، اتلفت ورا بص لأبوه بصة أخيره.. بصة فيها خيبة أمل مش هتتمسح بسهولة. هشام مد إيده في الهواء كأنه بيحاول يمسك بقايا ابنه اللي بيضيع منه، بس ما قدرش ينطق بكلمة واحدة.

نزلو السلم سريعا. الهواء بتاع التجمع بالليل كان بارد، بس بالنسبة لمنة كان زي أكسجين الحياة بعد الغرق. فتحت باب العربية وقعدت سيف في الكرسي اللي جنبها، وقفت قدامه ودعكت خدوده بإيديها الاثنين:

ـ أنت كويس يا سيف؟

سيف هز رأسه بالراحة، والدموع لسه في عينيه:

ـ ماما.. هو بابا بجد هيجراله حاجة لو أنا مشيت؟

منة غمضت عينيها ألم، وحضنت وشه تاني:

ـ اسمعني كويس يا سيف.. بابا راجل كبير، وبابا بيحبك، بس بابا عنده حياته. مفيش أي حاجة بتجرى للكبار بسبب العيال. شيرين كانت بتكذب عليك يا سيف.. كانت بتستغل حبك لبابا عشان تخوفك. أنت مش مسؤول عن حد، أنت ابننا وبس. فاهم؟

سيف اتنفس ببطء، كأن الكلمات دي نزلت رممت الخوف اللي كان جواه:

ـ فاهم يا ماما.. أنا أسف إني قلتلك Karla أفضل.. هي قالتلي أقولك كده عشان تحسي إنك مش عايزاني وتسبيني بسهولة.

منة مسحت دموعها وابتسمت له ابتسامة شجاعة، رغم إن قلبها كان بيتفتت من جوة:

ـ ولا يهمك يا قلب ماما.. أنا عارفة ابني كويس وعارفة هو بيحب مين. يلا بينا نرجع البيت، العصير والشوكولاتة مستنيينك، والكشاكيل العايز تحط عليها الاستيكرات مستنية.

ركبت العربية، وشغلت المحرك. طول الطريق للمعيشة، سيف كان ماسك إيد أمه باليمين ومستند برأسه على الكرسي. النور بتاع الشوارع كان بيعدي على وشه، والهدوء بدأ يحل محل الرعب.

وصلوا الشقة في المعادي. أول ما فتحت الباب، سيف دخل وبص للصالة. الشنطة الكحلي، والجزامة اللي فيها الكوتشي الجديد، والبيت اللي ريحته بخور وأمان. حس كأنه كان في كابوس وطالع منه.

دخل أوضته، قلع هدومه ولبس بيجامته، ونام على السرير من غير ما يطلب حتى يأكل. كان مجهد نفسياً لدرجة إن جسمه استسلم للنوم في ثواني.

منة قعدت جنبه على السرير، فضلت تمسد على شعره لحد ما اتأكدت إنه راح في نوم عميق ورايق. باست رأسه، وخرجت وقغلت الباب بالراحة.

وقفت في الصالة.. البيت كان هادي. بس الهدوء ده كان كذاب.

قعدت على الكنبة، وسحبت موبايلها. كانت عايزه تتصل بالمحامي، تجهز البلاغ والتسجيلات عشان تقطع رجل شيرين وهشام عن الولد تماماً. فتحت تطبيق التسجيلات عشان تسمع المقطع وتتأكد إن الصوت واضح.

شغلت المقطع.

صوت الخناقة بدأ يطلع من الموبايل:

“أنت مش شايف نفسك؟ بقالك سنين من يوم ما سابك الولد…”

“وده ذنب سيف؟ تروحي تدخلي الواد في لعبة وسخة زي دي؟”

منة كانت بتسمع وهي حاطة إيدها على خذها، لحد ما التسجيل وصل للنقطة اللي هي كانت فاكرة إنها سمعت فيها كل حاجة وهي واقفة ورا الباب.

بس الموبايل كان حساس، ولقط صوت همس واطي جداً دار بين شيرين وهشام في اللحظة اللي منة كانت فيها بتجري على السلم رايحة جلب سيف من الأوضة!

همس شيرين كان واضح في التسجيل بشكل يقطع النفس:

ـ “لو هي أخدت التسجيل ده ومشت.. الخطوة التانية هتتنفذ يا هشام. الملف اللي معايا في الخزنة هيتوجه للنيابة بكرة الصبح.. وساعتها مش بس ابنك اللي هيضيع، دي هي نفسها هتتسجن في القضية القديمة اللي أنت غطيت عليها!”

وصوت هشام المخنوق وهو بيكلمها بحدية ورعب:

ـ “أنتِ اتجننتي؟ أنتِ عايزة توديها في داهية؟ الملف ده لو اتفتح، الشركة كلها هتتقفل وأنا وأنتِ وهي هنروح في بوباي!”

التسجيل خلص.

السكوت رجع يلف الصالة تاني. بس السكوت المرة دي كان ليه طعم الموت.

منة حسيت إن قلبها وقف عن النبض. موبايلها وقع من إيدها على السجاد.

أيها ملف؟ وأيها قضية قديمة؟ وهشام غطى على إيه من ست سنين؟

وفجأة.. الموبايل أضاء في الظلمة.

رقم غريب.. مش مسجل.

شاشة الموبايل كانت بتنور وتطفي، ورنة التليفون كانت بتصرخ في صمت الصالة.

منة مدّت إيدها وهي بترتعش، فتحت الخط وحطت الموبايل على ودنها من غير ما تنطق.

صوت حريمي غريب، مش صوت شيرين، جه من الناحية التانية.. صوت حاد وبارد زي التلج:

ـ “يا مدام منة.. يا ريت ما تصدقيش إن الخناقة اللي شفتيها في التجمع كانت عشان سيف بس.. شيرين وهشام بيلعبوا بيكي.. والملف اللي بيتكلموا عنه، نص الأوراق بتاعته بقت معايا أنا دلوقتي.. لو عايزة تحمي ابنك ونفسك من اللي هيحصل بكرة الساعة 9 الصبح في المحكمة، انزلي الشارع حالا.. فيه عربية سودة مستنياكي تحت العمارة.”

الخط اتلقف.

منة وقفت في نص الصالة، بصت لباب أوضته سيف المقفول.. وبعدين بصت لشباك البلكونة اللي بيطل على الشارع.

تحت نور عمود النور الضعيف.. كانت فيه عربية سودة، زجاجها فاميه، واقفة ومطفية أنوارها.. ومستنية!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى