
فريدة قفلت القلم الروترنج الأسود وخبطت بيه على مكتبها خبطة خفيفة، لكن صوتها في سكون الليل جوه البرج الإداري كان شبه طلقة رصاص. المستشار مدحت كان واقف قدامها، رابطة عنقه مهزوزة شوية، وعينه مشققة من الصدمة والذهول وهو بيبص للست اللي ملامحها ما اتهزتش، وكأنها مش لسه عارضة جواز جوزها تزوير وسرقة في نفس اللحظة.
مدحت اتنحنح وقال بصوت واطي: “فريدة هانم، تزوير توقيعك على شيكات وسحب من حسابات الشركة دي جناية وعقوبتها السجن المشدد، شريف مش بس خانك، ده حط حبل المشنقة حوالين رقبته بإيده، وبصراحة كده.. حماتك فادية هانم وأخته نهى كمان ليهم يد، الحساب اللي تحول منه الفلوس لحساب أوتيل الجونة طالع بأمر دفع مباشر متمضي عليه من شريف وبصورة بطاقتك الشخصية اللي كانت معاه.”
فريدة سندت ضهرها على الكرسي الجلد المريح، وبصت من الشاشات الزجاج الواسعة لمكتبها على أضواء القاهرة، النيل كان هادي والبيوت من بعيد منورة، لكن جواها كان فيه بركان شغال بهدوء وثبات. فريدة ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة خالية من أي وجع، مليانة بسخرية.
“عارف يا مدحت.. أنا طول الثمان سنين اللي فاتوا كنت فاكرة إن شريف غبي في البيزنس بس، طلع غبي في الحياة كلها. كان فاكر إن لما يغير الحروف ويقلد الكيرف بتاع إمضتي في حرف الفاء والراء، يبقى كده بقا شاطر؟ ده أنا اللي معلماه يعني إيه بنوك ويعني إيه اعتمادات مستندية.”
وقفت، مشيت لحد ما وصلت للشباك، وقالت بنبرة حاسمة: “شريف وشاهندة وفادية والزيطة اللي في الجونة دي كلها.. هخليهم يدفعوا ثمن اللي عملوه، بس مش هكسر الكأس دلوقتي، أنا هخليهم يتحملوا نتيجة أفعالهم.”
مدحت طلع نوتة صغيرة وقلم: “خطتنا إيه يا فندم؟ هتقدم البلاغ للنائب العام بكره الصبح؟”
“لأ يا مدحت، بكره السبت، البنوك إجازة والنيابات بتشتغل طوارئ، وأنا مش عايزة شريف يتحبس في قسم شرطة عادي ويطلع بكفالة على ذمة قضية تزوير، أنا عايزة شريف يتكشف قدام عروسته الجديدة وعيلته في عز لحظة انتصارهم، عايزة الأمور تتكشف فجأة.”
التفتت لمدحت وعينها لمعت بذكاء: “اسمعني كويس.. الكروت الإضافية اتلغت خلاص، بس الشيكات اللي اتسحبت للأوتيل، أنا مش هعمل عليها رفض دلوقتي، هسيب الأوتيل يصرفها عادي وياخد فلوسه عشان الفرح يكمل والعروسة تتبسط بالليلة، مش هبوخ عليهم الليلة دي، خليهم يرقصوا ويغنوا.. لكن أول ما الشمس تطلع يوم الأحد، والتشيك أوت بتاع الأوتيل يبدأ.. هنا هتبدأ الحفلة الحقيقية بتاعتي.”
في الجونة، الأجواء كانت مبهجة. الهوا اللي جاي من البحر الأحمر كان منعش، وصوت الموسيقى كان مالي المكان، وشريف كان لابس بدلة كتان بيج، شاريها ببطاقة فريدة، وماسك كاس في إيده وبيضحك مع أصحابه اللي شغالين معاه في النادي وفي الكافيهات، وكلهم متواجدين في المحيط الخاص بمشاريع فريدة.
شاهندة كانت سعيدة، فستانها الأبيض المرصع بالكريستال كان طويل وواخد مساحة من المسرح، وبطنها كانت بتلمسها كل شوية.
الحجة فادية كانت قاعدة على الترابيزة، لابسة فستان سواريه أخضر مرصع بالدانتيل، ومركبة طقم ذهب من فلوس شريف اللي بيستثمرها، وكانت بتبص لشاهندة وتقول لأختها: “شايفة البنت؟ شايفة الوش المنور؟ مش التانية اللي ملامحها مجهدة من كتر قعدة المكاتب والورق؟ أهو ده الجواز الصح، شريف ابني رجع له نشاطه تاني لما ساب الست اللي مش عاجبانا.”
شريف قرب من أمه وباس إيدها: “إيه يا فوفو؟ مبسوطة؟”
فادية ضحكت: “مبسوطة يا قلب أمك، طول عمري نفسي أشوفك عريس بجد، مش متجوز واحدة بتديك مصروفك وتتحكم في خروجك ودخولك.”
شريف ضحك بثقة مهزوزة شوية: “خلاص يا أمي، فريدة دي صفحة وقفلتها، أنا أصلاً سبت لها ورق الطلاق مع البواب في الزمالك، زمانها شافت الموضوع وعرفت قيمتها، وهي أخيرها تزعل يومين وتنسى، أصلها بتموت في الشغل ومش هتعطل نفسها.”
في اللحظة دي، شريف حس باهتزاز في جيب بدلته، طلع الموبايل لقى رسالة من البنك: “عزيزي العميل، تم إيقاف بطاقتك الائتمانية رقم **** بناءً على طلب الحساب الرئيسي.”
شريف وشه خطف لون، جرب يفتح تطبيق البنك لقى الحساب “تالف أو تم تغيير كلمة المرور”، حس بنغزة في قلبه، بس حاول يطمن نفسه: “أكيد فريدة شافت اللي حصل وقفلت الكروت.. عادي، متوقعة، المهم الحسابات الكبيرة والشيكات اللي اندفعت للأوتيل والشركات بتاعة الديكور، دي كلها عدت وخلاص.”
ميعرفش إن فريدة كانت سايباه يتصرف بالطريقة دي.
يوم الأحد، الساعة 11 الصبح.
الشمس كانت حامية على شواطئ الجونة، شريف وشاهندة وفادية والجروب كله كانوا واقفين في الاستقبال الفخم بتاع الأوتيل عشان يعملوا “تشيك أوت” ويستعدوا للتحرك بالسيارة لرحلة شهر العسل، الطيارة كانت الساعة 4 العصر من مطار الغردقة.
شاهندة كانت ماسكة شنطة جديدة وجنبها شنط سفر كبار، وشريف لابس نظارة شمسية وبيبتسم للموظف.
الموظف كان بيبص للشاشة بملامح جادة جداً، وفجأة ساب الماوس وبص لشريف: “يا فندم، للأسف فيه مشكلة في تسوية الحسابات.”
شريف استغرب وقال بتعالي: “مشكلة إيه يا كابتن؟ إحنا دافعين شيك مقبول الدفع ومحولين المبلغ بالكامل من يومين من حساب شركة السيوفي للاستيراد.”




