
“انطقي.. سكتّي ليه؟ فين الكلام المترتب والوش الخشب اللي كنتِ بتقابلي بيه الكاميرات؟” صوت أيمن كان واطي، بس النبرة كان فيها شرار الجنينة باللي فيها. نيرمين كانت واقفة مصلوبة، كعب جزمتها الأبيض غرقان في عصير المانجة، وعينيها بتتحرك بسرعة بين وجوه المعازيم اللي بدأوا يهمسوا لبعض. المذيعة الشهيرة اللي كانت قاعدة في أول طاوله نزّلت المايك، والمصور وربك حماه نسي يقفل الكاميرا، ففضلت العدسة بتسجل كل لفتة وكل حركة.
أيمن وطى على الأرض، أخد ولاده في حضنه جامد. حبيبة كانت بتترعش ودموعها بلّت قميصه الدايب، ومروان كبس دماغه في رقبة أبوه وهو مش مصدق إن “بابا” رجع، وإن الكابوس اللي عاشوه حداشر يوم انتهى. أيمن باس روسهم وهمس في ودنهم: “خلاص يا حبايب أبوكم.. مفيش خوف تاني.. اطلعوا مع دادة رضا فوق ومحدش هيمسكم.”
بص لرضا اللي كانت واقفة لسه وحاطة إيدها على خدها الأحمر، وقالها بنبرة مختلفة تماماً، نبرة فيها احترام حقيقي: “خدي الولاد يا رضا.. اطلعي بيهم جناحهم واقفي على الباب.. وماتخليش مخلوق يقرب منهم.”
رضا هزت راسها ودموعها نزلت غصب عنها، مش من القلم، لكن من الفرحة إن الغلبان لقى اللي ينصره. خدت حبيبة ومروان من إيديهم وطلعت بيهم على سلم الفيلا الداخلي، والعيون كلها بتلاحقهم.
أول ما باب الفيلا اتقفل وراهم، أيمن لف لنيرمين. ملامحه اتغيرت، الهدوء اللي كان عليه اختفى وظهر وشه الحقيقي، وش الراجل اللي بنى إمبراطورية فنادق من الصفر ومحدش يقدر يقف في وشه.
“أيمن.. حبيبي.. أنت فاهم غلط خالص!” نيرمين قربت خطوة، وحاولت تلحق الباقي من برستيجها قدام سيدات المجتمع اللي بيبصوا لها بقرف وزقاق. “الولاد دول مطلعين عيني.. وأنا كنت بربيهم بس.. أنت عارف الجيل ده متعب قد إيه، وأنا كنت عايزة مظهرنا يبقى مشرف قدام ضيوفك.. أنت مش عارف الشغالة دي عملت إيه.. دي قليلة الأدب وتطاولت عليا!”
“بربيهم؟” أيمن ضحك ضحكة قوية رنت في أرجاء الفيلا، ضحكة خلت نيرمين تتجمد في مكانها. “أنتِ بتربي ولاد مريم؟ بتعلميهم يخافوا مني؟ بتشيليهم ذنب إن أمهم ماتت؟”
التفت أيمن للمعازيم وللمصور اللي كان بيحاول يستخبى ورا شجرة. “يا جماعة.. منورين فطار جمعية “قلوب رحيمة” للأطفال! مش دي الجمعية بتاعتك يا نيرمين هانم؟ اللي بتلمي تبرعات ليها عشان تحمي أطفال الشوارع؟ تحبي بقى أوري الضيوف الكرام، والناس المحترمة اللي دافعة آلاف الجنيهات تبرعات، الرحمة اللي في قلبك شكلها إيه؟”
نيرمين وشها بقى أصفر زي الليمونة، وقالت بصوت واطي ومخنوق: “أيمن.. بلاش فضايح قدام الناس.. خلينا ندخل المكتب نتكلم.. أرجوك.”
“مكتب؟ لأ.. الكلام هيبقى هنا، قدام الكل، وزي ما اتفضحتي في نظري، تتفضحي قدام المجتمع اللي بتتمسحي فيه.”
أيمن طلع من جيب قميصه القديم جهاز تسجيل صغير، وسماعة بلوتوث كان حاططها في ودنه طول الأيام اللي فاتت. داس على زرار التشغيل، وربطه بنظام الصوت الداخلي للجنينة اللي كان شغال فيه مزيكا هادية للهيئات الكبيرة. في ثواني، الصوت طلع مجسم وواضح في كل ركن.
كان صوت نيرمين.. بس مش الصوت الرقيق بتاع التليفزيونات. كان صوت حاد، مليان غل وعنجهية، وبتتكلم مع حد ليلتها الساعة اتنين بالليل.
الصوت في السماعات: “بقولك إيه يا مدحت.. الصفقة دي لازم تتم الأسبوع ده.. أيمن غبي ومأمن لي على كل حاجة، والتوكيل العام اللي عملهولي قبل ما يسافر دبي في إيدي.. أنا هبيع أرض الساحل لشركتك بنص ثمنها، والعمولة بتاعتي تحولهالي على حساب سويسرا فوراً.”
صوت الراجل (مدحت): “طب والولاد؟ أيمن لو حس بحاجة أو العيال اتكلموا وقالوا له إنك بتعامليهم وحش أو بتفتشي في ورقه، هيرجع يقلب الدنيا.”
صوت نيرمين وهي بتضحك بشر: “العيال؟ العيال دول تحت جزمتي.. أنا كسرت عينهم خلاص.. البت الكبيرة بتموت من الرعب لو جبت سيرة أبوها، مفهمةاها إن أبوها بيكرهها ومستني لها غلطة عشان يرميها في ملجأ.. والواد الصغير عبيط وبيخاف من خياله.. أيمن مش هيعرف حاجة، ولما يرجع من دبي، هكون أنا مضيت العقود، والأرض بقت بتاعتك، وساعتها يطلقني، ياخد العيال ويغور بيهم، ميهمنيش.. أنا أهم حاجة عندي أطلع بالمليارات اللي تخليني هانم طول عمري.”
الصوت قطع.
الجنينة انقشعت فيها حالة من الذهول التام. الستات بدأوا يتوشوشوا بصوت عالي: “يا نهار أسود!”.. “دي طلعت نصابة!”.. “بسرق الراجل وبتعذب ولاده؟!”. المذيعة بصت لنيرمين بنظرة احتقار وقالت: “دي قضية رأي عام.. أنا مش هسكت على المهزلة دي.”
نيرمين كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها. بصت لأيمن وقالت بوجل: “ده.. ده فوتوشوب.. ده صوت متفبرك! أنت بتتهمني بالباطل عشان تخلص مني بعد ما أخدت أحلى سنين عمري؟”
“أحلى سنين عمرك؟” أيمن قرب منها وعينه فيها غضب السنين كلها. “أنا خاطبك بقالي ست شهور بس يا نيرمين.. وكنت فاكرك ست محترمة هتعوض ولادي عن حنان أمهم اللي راحت.. لكن طلعتي حية.. حية بتنفث سمها في بيتي.”




