روايات وقص

د المستشفى الاستسماري

ليلتها، ريحة المستشفى الاستثماري في الدقي كانت خليط من المطهرات . سمر دخلت الرعاية المركزة فورًا بسخونية معدية الـ 40، والجرح طلع فيه التهاب صديدي محتاج تنظيف جراحي عاجل، ويوسف الصغير اتحط في الحضانة تحت الملاحظة بسبب الجفاف والبرد اللي أكل جسمه.

 

أنا كنت قاعد على الكرسي الجلد الأزرق بره في الممر، ضهري مسنود على الحيطة التلج، ومسكت الموبايل. إيدي كانت بترتعش، مش من الخوف، من كتر الدم اللي حاسس إنه اتجمد في عروقي. فتحت برنامج كاميرات المراقبة مخفية كنت معلقها في الصالة والمطبخ من شهور عشان أطمن على البيت وأنا في السويس.

رجعت الشريط ليوم 25 ديسمبر.

اللي شفته خلاني أسمع صوت ضربات قلبي في وداني كأنها طبلة حرب.

أُمي -الحاجة هدى- كانت قاعدة على الكنبة بتعد فلوس. رزم من الخمسينات والميات اللي أنا سايبها. شيماء اختي كانت واقفة جنبها بتمسك شنط السفر، وتامر جوزها واقف بياكل حتة فراخ بلدي من العلبة اللي كنت سايبها لسمر!

سمر كانت طالعة من الأوضة بتتسحب، ماكة جرحها بأسنانها، بتترجاهم: “يا حاجة هدى، الوجع مسهرني، والولد مش راضي يرضع.. بالله عليكِ هاتيلي دوا المسكن وعايزة كوباية لبن سخنة.”

الحاجة هدى زقت إيدها بقسوة وقالت بصوت واضح وصريح في الميكروفون بتاع الكاميرا: “امشي يا بت من وشي! لبن إيه وفراخ إيه؟ أنتِ فاكرة حازم جوزك جيبك هنا عشان نخدموكي؟ الفلوس دي حقي أنا وبنتي وشقا ابني.. أنتِ حتة بت قطيعة مالكيش أصل، تاكلي وتطفحي لما نرجع.. ياللا يا تامر شيل الشنط عشان الطيارة متطلطلعش من غيرنا!”.

شيماء أختي ضحكت وقالت: “سيبيلها باكو أندومي في المطبخ يا ماما عشان لما تجوع تفتكر أصلها.. دي كانت حافية قبل ما حازم يلمها!”.

لكن اللي حصل بعد كده كان الكارثة اللي خلاني أقف على حيلي في نص الممر.

تامر موى على أوضة النوم بتاعتي. الكاميرا جابت الجزء جوة الأوضة.. شفته بيفتح الخزنة الصغيرة اللي ورا اللوحة! الخزنة اللي أنا حاطط فيها دهب سمر اللي اشترته بفلوس مؤخرها، وشبكتها، وعقود ملكية شقة ثانية أنا كاتبها باسم ابني يوسف!

شيماء كانت واقفة بتأمنله الباب، والحاجة هدى بتلم الذهب في كيس أسود!

تامر طلع العقود والدهب، وقال بصوت واطي: “كده تمام يا حاجة.. الراجل اللي في شرم هيشتري الدهب ده النهاردة كاش من غير فواتير، والعقد ده هناخده نسجل بيه الشقة باسمي أنا وشيماء بالتوكيل المزور اللي عملناه لحازم السنة اللي فاتت!”.

الحاجة هدى هشت إيدها وقالتله: “أهم حاجة حازم ما يعرفش غير بعد ما نبيع ونخلص.. هو عبيط وببيحبني، كلمة مني هتقنعه إن سمر هي اللي سرقت الدهب وباعته من وراه عشان تدي لأهلها!”.

الكاميرا سجلت كل كلمة. كل حركة. كل ضحكة صافية طلعت من بؤهم وهما بيخونوني في بيتي وفي مراتي وفي ابني اللي بيموت من الجوع.

الدم فور في دماغي. ما بكيتش. الصدمة لما بتكون من أقرب الناس بتموت الماعر وتخلي العقل يشتغل زي الآلة الصماء.

أول حاجة عملتها، اتصلت بـ “عماد”، صاحبي وأخويا اللي شغال محامي جنايات من العيار الثقيل.

“عماد.. صحي نفسك. أنا قدامي ساعة وهكون عندك في المكتب. معايا فيديوهات وبلاغات هتودي نص عيلتي السجن.”

عماد ما سألش، قال كلمة واحدة: “مستنيك يا حازم.”

الساعة كانت أربعة الصبح. طلعت على مكتب عماد في المهندسين. عرضت عليه الفيديوهات وصور الروشتات وتقارير المستشفى الأولى اللي أثبتت حالة الجفاف لليوسف والالتهاب الحاد لسمر.

عماد بصلي بذهول، وحط الموبايل على الترابيزة: “حازم.. أنت مدرك إن الكلام ده فيه سرقة بالإكراه، وتزوير في محررات رسمية، وإهمال جسيم يؤدي إلى القتل الشبه عمد؟ دول أُمك وأختك!”

بصيتله بعيون ناشفة مفيهاش نقطة دموع: “دول أعدائي يا عماد.. أُمي نسيت إنها أُم لما سابت ابني يموت وقطعت لحمي، وأختي نسيت الإنسانية. أنا عايز القانون ياكلهم.. مش عايز رحمة.”

عماد هز راسه: “يبقى نلعبها صح.. الصبح الساعة تمانية، المحضر هيتعمل في النيابة العامة مش في القسم. هنجيب أمر ضبط وإحضار فوراً من وكيل النيابة بناءً على الفيديوهات والدلائل القطعية.. وهنعمل تحريات مباحث سريعة. بس أنت لازم تتصرف كأنك ما تعرفش حاجة!”

رجعت المستشفى. سمر كانت بدأت تفوق من البنج بعد جراحة التنظيف. قعدت جنبها، مسكت إيدها المتركب فيها الجلوكوز، وبست رأسها.

“حازم.. سامحني” سمر قالتها بصوت مقطوع.

“أسامحك على إيه يا سمر؟ أنا اللي آسف إن نسيت إنني راجل المفروض يحميكي، وحطيتك في وسط ديابة فاكرهم أهلي.”

سمر بصلتي بخوف: “أُمك اتصلت بيا من ساعة.. كانت بتصوت في التليفون بتقول الكروت اتوقفت ليه في الفندق وبتقولي أتصرف وأبعتلهم فلوس من حسابك عشان الحساب اتقفل ومش عارفين يدفعوا إقامة الفندق!”

ابتسمت ابتسامة باردة: “وما قولتيلهاش إني جيت؟”

“لا.. خفت منك.”

“جدعة.. سيبيهم يتلووا.”

على الساعة عشرة الصبح يوم 1 يناير، كان الخبر نزل عليهم زي الصاعقة في شرم الشيخ.

تامر وهو واقف في الرسيپشن بتاع الفندق الخمس نجوم، بيحاول يدفع حساب الليلة والأكل والمشروبات ليلة رأس السنة اللي عدت الـ 80 ألف جنيه.. الكارت اترفض!

جرب كارت أُمي.. اترفض!

جرب كارت شيماء.. اترفض!

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى