روايات وقص

د رجعت خطوه لورا

رجعت خطوة لورا، وأنا حاسس إن السقف بينزل يضغط على صدري. المسجل في جيبي كان شغال، بيسحب كل نفس وكل كلمة طالعة من بؤها بنفس البرود اللي يقتل. الحجة فاطمة مشيت ناحية المطبح بكل هدوء، صبت كوباية شاي بالنعناع، ورجعت قعدت على الكنبة المتغطي أطرافها بمفارش الكروشيه. هزت الفنجان بالراحة، وبصتلي من تحت النظارة القراءة اللي نازلة على أرنبة مناخيرها، وقالت بصوت واطي ومسموم:

 

“أنت فاكر نفسك بقيت راجل وبتتحامي في مراتك وتيجي تحاسبني يا كريم؟ فاكر إنك بقيت كبير؟ ما تسأل روحك كدة.. هو أنت ليه أصلاً معندكش غير سلمى؟ وليه اختك نهى اختفت من البيت ده وأنت عندك عشر سنين وما شفتهاش تاني لغاية ما ماتت؟”

الدم اتجمد في عروقي. اللقمة لزقت في زوري من قبل ما آكلها. اسم “نهى” اختي الكبيرة.. الاسم اللي اتمنع يتقال في البيت ده من اكتر من عشرين سنة. الاسم اللي أبويا الله يرحمه كان لما يسمعه وشه يقلب زرقان، وأمي تقولنا: “سافرت مع جوزها الخليج وما بتسألش”.

“نهى؟”.. نطقتا بصوت مخنوق، مش طالع من حنجرتي.

ابتسمت ابتسامة خبيثة، فيها كمية شفقة مزيفة تخلي الجلد يقشعر. نزلت كوباية الشاي على الترابيزة بصوت رنان، وقامت وقفت قدامي.. كان طولي معدي طولها بمراحل، بس في اللحظة دي، حسيت إنها ضل أسود مغطي على الأوضة كلها.

“أختك نهى ما سافرتش الخليج يا فالح.. أختك نهى أنا حبستها في الأوضة الجوانية شهر كامل بنفس الكيس ونفس الحزام، لما بدأت تكبر وجسمها يتغير وأبوك الله يرحمه كان خايف من كلام الناس. وبدال ما تعقل.. البنت ماتت بين إيديا من الخنقة وسخونية الجرح.. وأبوك بصلي ساعتها وقال: ‘الستر حلو.. ندفنها ونقول راحت مع جوزها للي يسأل’.”

الكلام نزل عليا زي صخرة هدّت ضلوعي. عقلي اتوقف عن التفكير. الصورة قدامي بدأت تتكسر.. الشقة اللي كبرت فيها، الحيطان اللي كنت بلعب جنبها، السجاد اللي كنت بنام عليه.. كل حاجة كانت متغرقة بدم اختي اللي راح سرها تحت الأرض، والنهارده كانت بتعيد نفس السيناريو مع بنتي سلمى!

“أنتِ.. أنتِ مجنونة؟”.. خرجت مني بصوت طالع بالعافية، وجسمي كله بيرعش من القهر والغل.

قربت مني وراحت حاطة إيدها على كتفي، صوابعها الناشفة كانت زي المخالب: “أنا مش مجنونة يا كريم.. أنا بعلمكم النظافة. أنا بحميكم من قرف الدنيا. بنتك لو سيبتها لمريم مراتك هتكبر وتبقي زفرة، والجسم لما يفرط محدش بيعرف يلمه. أنا عملت في سلمى اللي يتعمل، والمرة الجاية هكمل اللي بدأته عشان تطلع متربية صح.”

في اللحظة دي، سمعت صوت حركة ورايا. اتلفت بالراحة.. كانت مريم مراتي واقفة عند باب الشقة، ماسكة موبايلها في إيدها، ووشها مغرق دموع، والذهول شال لسانها. كانت جاية ورايا عشان خايفة عليا، وسمعت كل كلمة.. كل حرف من الاعتراف المريض ده.

أمي بصت لمريم بنظرة قرف، وقالت بكل جبروت: “كويس إنك جيتي يا مريم.. خدي جوزك وبنتك وغوروا من هنا، وما شوفش رجلكم بتعتب البيت ده تاني.. وإياك حد يفتح بؤه، كفاية إنكم عايشين من خير أبو كريم الله يرحمه.”

مسكت إيد مريم اللي كانت بتترعش، وبصيت لأمي في عينيها لأول مرة في حياتي بغير خوف.. بصة واحد مابقاش عنده حاجة يخسرها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى