
“الخير ده خلاص غرق في الدم يا أمي.. والسر اللي دفنتيه من عشرين سنة.. السجلات والمستشفى والبوليس هيدفنوا جبروتك النهارده.”
طلعت الموبايل من جيب السويتر، وداست على زرار إيقاف التسجيل قدام عينيها. وشه يتغير في ثانية.. من كبرياء الملاك الشريف، لملامح الست الخايفة اللي الكدب والشر هربوا من عينيها.
“أنت بتمسجلي يا كريم؟ تسجل لأمك اللي ربتك؟”
“أنا بسجل للست اللي قتلت أختي، وكانت هتموت بنتي.”
لفيت وريحت ضهري للباب، وسحبت مريم معايا ونزلنا السلم وأحنا بنجري، وصوت صريخها ودعاوِيها المسمومة طالع ورايا بيزلزل العمارة: “مش هسيبكم! والله ما هسيبكم تكسروني!”
وصلنا عربيتي، مريم كانت بتعيط بحرقة، وأنا إيديا كانت بتترعش ومش عارف أدخل المفتاح في الكونتاك. فتحت التليفون وبعت التسجيل المباشر لمحامي العيلة ولصديق عمري اللي شغال في قسم الشرطة.
ركبنا ورحنا على المستشفى. هناك، الدكاترة كانوا بيعملوا التقرير الطبي لسلمى. كانت قاعدة على السرير، رجلها الصغار متدليين، وجلد ضهرها متغطي بمطهر أبيض. أول ما شافتني، سألتني ببراءة تذبح: “بابا.. هي تيتا هتزعل عشان حكيتلك؟”
وطيت على إيدها وبستها، ودموعي نزلت لأول مرة: “تيتا مش هتقدر تؤذيكي تاني أبداً يا قلب بابا.. أوعدك.”
بعد ساعتين بالظبط، وأحنا قاعدين في الممر بنستلم التقرير الطبي اللي بيثبت وجود حروق من الدرجة الأولى بسبب الالتصاق الحراري، وعلامات ضرب بآلة حادة (الحزام)، التليفون يرن.
كان رقم الشقة.. رقم أمي.
ما ردتش. بعديها بثواني، جالي إشعار رسالة صوتية على الواتساب من رقمها. فتحت الرسالة وأنا إيدي بتترعش، ومريم قربت راسها عشان تسمع معايا.
صوت أمي في الرسالة ما كانش ثائر ولا غضبان.. كان هادي جداً، وصوت مروحة السقف شغالة في الخلفية، وقالت بنبرة قطعت خلفي:
“يا كريم.. أنت فاكر إنك بتعاقبني بالتسجيل ده؟ أنت فاكر إن نهى ماتت من الكيس بس؟ تسأل روحك كدة.. هو مين اللي جابلي الحزام يوميها وقاللي اضربيها عشان أدبتك؟.. أبوك الله يرحمه ما كانش شريك بس.. أبوك كان بيصور كل حاجة.. والشرائط القديمة كلها في التجويف اللي ورا الدولاب في أوضتك القديمة.. روح شوف أبوك الشريف اللي أنت فاخر بيه كان بيعمل إيه.. وقبل ما البوليس يوصل، هكون أنا سبقتكم كلكم لنهى.”
صوت خبطة جامدة جه في آخر الرسالة، وبعدها السكوت.
رميت التليفون وجريت على العربية زي المجنون، ومريم بتصرخ ورايا. سقت بأقصى سرعة، وأنا مش شايف قدامي غير صور من طفولتي بتتكسر وتتشوه.. أبويا اللي كنت بشوفه مثلي الأعلى، أمي اللي كانت رمز الدين والنظافة.. العيلة كلها كانت عبارة عن مسرحية مرعبة مبنية على جثة بنت صغيرة.
وصلت العمارة، الشارع كان فاضي والهوا ساقط يلطش في الوش. طلعت السلم جري، باب الشقة كان موارب..
دخلت وأنا بصرخ: “أمي! يا أمي!”
البيت كان ساكت.. ريحة البخور راحت، وحلت محلها ريحة غريبة.. ريحة جير ومطهرات قوية.
مشيت ناحية الأوضة الجوانية اللي قالت عليها.. الباب كان مفتوح.
لقيت أمي قاعدة على الكرسي الهزاز، غمضت عينيها، وعلى الترابيزة جنبها كبشة حبوب فاضية مع كوباية ماية مقلوبة.. وعلى الأرض ورا الدولاب، كان التجويف مفتوح.. وفيه صندوق خشب قديم، متغطي بالتراب، وجنبه كاميرا فيديو قديمة وشرايط كاسيت أسود مكتوب عليها بتاريخ سنة 2004.
قربت بركبي الميتة، سحبت أول شريط.. كان مكتوب عليه بخط أبويا: “جلسة الأدب – نهى”.
وفجأة.. سمعت صوت خطوات ورايا في الصالة.. خطوات هادية وموزونة.. تلفت برعب..
كان فيه راجل واقف عند الباب، لابس بالطو أسود، وشه مش باين في الضلمة، بس طلع من جيبه مفتاح الشقة القديم بتاعي، وقال بصوت هز العمارة كلها:
“تأخرت يا كريم.. الشريط ده كان المفروض تتفرج عليه من عشرين سنة.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




