روايات وقص

د سكت الموبايل في ايدي

سكت الموبايل في إيدي، وصوت الرنين الأخير كان عامل زي صوت رصاصة انطلقت خلاص ومافيش طاقة في الكون تقدر ترجعها لمجراها. أمي حاولت تتدخل، بعتت مسجات صوتية بصوت مرعوب، كلام من نوعية: “يا مريم أبوعلي هيتجنن.. شريف جوز ندى محجوز على عربيتهم ورجال المعرض جوم لفيلا التجمع ويا عيب الشوم قدام الجيران! تعالي يا بنتي أبوكي هيموت من الحسرة، إنتوا سندنا.”

 

سندهم؟ سبحان مغير الأحوال. لما كنا بنحوش القرش على القرش ونركب المواصلات وناكل فول وطعمية عشان نكفي أقساط المعدات، كنا في نظرهم “فقرا ورائحتنا زيت وشحم”. ودلوقتي، لما البالونة الفاضية اتفرقعت والديون خنقتهم، افتكروا إن لينا صلة رحم؟

حسن خرج من الأوضة بعد ما نيم سيف. كان قلع تيشيرت الشغل، ولابس جلابية بيضا هادية، بس عينيه كان فيها لمعة حديد صلب، لمعة الراجل اللي صابر سنين طويلة وهو بيسمع الإهانة ويبتلعها، مش ضعف، لكن لأنه عارف إنه بيبني سور عالي مش هيقدروا يطولوه لما يكتمل.

قعد جنبي على الكنبة، حط إيده على إيدي وقال بصوت واطي بس يخترق الدماغ:

— “كلمتك تاني؟”

— “قالت إن شريف اتفصل من شركة المقاولات، وعربية الـ 2 مليون طلعت متاخدة بقرض بضمان مرتبه، ومع أوّل شهرين متأخرات المعرض سحبها من قدام الفيلا.. ندى بتعيط وأبويا الدم ضرب في نفوخه.”

حسن ابتسم ابتسامة خفيفة، مش شتيمة ولا شماتة، لكن ابتسامة راجل فاهم الدنيا ماشية ازاي:

— “اللي بينبني على الفشخرة يا مريم، أول هبة هوا بتطيره. التجمع والفلل والعربيات الجيب، كل ده كان قشرة برة، ومفيش تحتها عصب. إحنا بقى عصبنا نشف في الشارع وفي الشحم، وده الفرق.”

— “أمي بتقول إن بابا عايزنا نكون موجودين بكره.. عامل اجتماع عيلة اضطراري.”

حسن قام وقف، قرب من الشباك المطل على شارع شبرا، الشارع اللي زحمة وصوته ما بيهداش، بس حقيقي، ميه في المية حقيقي. تلف ونظرلي وقال:

— “هنروح يا مريم.”

تنحت بصدمة:

— “هنروح؟ بعد ما طردنا وقالك ميتشافش وشكم في المولد؟ بعد ما خلي ابنه يسألني لو كان أبوه عار؟”

— “هنروح.. بس مش عشان نرجع كبش فداء، ولا عشان ندفع مليم من دمنا لشريف اللي كان بيبصلنا بقرف. هنروح عشان اللعبة تنتهي. الشاشات تنزل، والستارة تتقفل، وكل واحد يعرف حجمه الحقيقي.”

يوم الخميس بالليل، التجمع الخامس كان ساكن، والفيلا بتاعة الحاج كامل Salgado—أو الحاج كامل زهران زي ما مصر كلها تعرفه—كانت منورة، بس النور المرة دي مكنش نور بهجة. كان نور شاحن زي نور الصوان.

دخلنا بالشارع، حسن كان سايق عربيتنا القديمة، الـ “شاهين” اللي البيض بتاعها مقشر، بس موتورها محطوط فيه شغال بأعلى تقنية حديثة. ركناها جنب الفيلا. باب الفيلا الحديد كان مفتوح، وجوه، الجو كان عامل زي المحكمة.

أبويا كان قاعد على الكرسي الفوتيه الكبير، وشبه باهت، والضغط واضح إنه عالي عنده. ندى أختي قاعدة على الكنبة بتعيط ومناخيرها حمرا، وشريف جوزها قاعد حاطط وشه بين إيديه ورجليه بترعش. أمي أول ما شافتني قامت وقفت، وعينيها مليانة رجاء.

أبويا رفعت عينه لينا. المرة دي مكنش شايل كاس المانجو، ولا كان مبتسم بصلف. بس كبرياءه المريض كان لسه مسيطر عليه. بص لحسن من فوق لتحت، وبص لي وقال بصوت جاف حاول يخليه حازم:

— “وصلتوا.. قعدوا.”

حسن مقتعدش. فضل واقف في نص الصالة، إيديه في جيبه، وقامته مفرودة زي النخلة. أنا وقفت جنبه، ومسكت في دراعه. سيف سبناه عند أخت حسن في السيدة زينب عشان ميتلوثش باللي هيحصل.

أبويا كح، ونضف زوره، وقال:

— “أنا جمعتكم عشان الموقف اللي إحنا فيه. شريف تعرض لأزمة مؤقتة في الشغل، والمعرض قليل الأدب تصرف بتخلف وسحب العربية.. طبعاً ده كلام ميتسكتش عليه قدام الجيران في الحي. إحنا عيلة زهران، ومينفعش اسمنا يتهز.”

رديت أنا بصوت جاف:

— “وداعي وجودنا إيه يا بابا؟ مش إحنا الفقرا اللي مالناش مقام على سفرتك؟”

أبويا اتعصب، ووجه صباعه ليا:

— “اتكلمي بأدب يا بت! اللي فات كوم والنهاردة كوم. إحنا أهل، وفي الأزمات بنقف لبعض.”

ثم بص لحسن وقال:

— “يا حسن.. أنا عارف إن ظروفك على قدك، بس مريم معاها تحويشة من شغلها في الدفاتر، وإنت اكيد معاك قرشين شايلهم للزمن. شريف محتاج 350 ألف جنيه فوراً عشان يدفع المتبقي والمعرض يرجع العربية والشركة تسحب البلاغ. أنا هدفع نص المبلغ، وإنتوا تتصرفوا في الباقي.. وقريب لما شريف يشتغل هيسددلكم.”

شريف رفع راسه، وبص لحسن بنظرة فيها خليط من الانكسار والتعالي المستتر، كأنه بيقول: “حتى وأنا مديون، إنتوا اللي هتسدوا عني.”

في اللحظة دي، حسن عمل حاجة مكنش حد متوقعها.

حسن ضحك.

ضحكة صريحة، هادية، طالعة من قعر صدره، رنت في الفيلا كلها واستقرت في السقف.

أبويا اتنفض في قعدته:

— “إنت بتضحك على إيه يا جدع إنت؟ إنت تتطاول في بيتي؟”

حسن حط إيده في جيب جاكيته، وطلع محفظة جلد طبيعي، سحب منها كارت أسود مطفي عليه شعار دهبي فخم جداً، وحطه على الترابيزة الرخام اللي قدام أبويا.

الكارت كان مكتوب عليه:

“مجموعة ورش ومراكز خدمة ‘الراميز’ لتكنولوجيا السيارات والهيدروليك — حسن الرامي (الرئيس التنفيذي).”

أبويا بص للكارت بنظرة عدم فهم. ندى رفعت راسها ودموعها اتجمدت. شريف بؤه اتفتح.

حسن قرب خطوة من الترابيزة، وبص لأبويا في عينيه مباشرة، وقال بنبرة هادية بس تقيلة زي الرصاص:

— “يا حاج كامل.. أنا الميكانيكي اللي ريحته شحم وزيت. الراجل اللي عينك مكنتش بتطيق تشوفه على سفرتك. شريف جوز بنتك اللي كنت بتتفشخر بيه، جالي من 4 شهور المركز الرئيسي بتاعي في صلاح سالم.”

الصمت نزل على القاعة زي الصخرة. ندى بصت لشريف بصدمة:

— “شنو؟ جالك ليه؟”

حسن كمل وهو باصص لشريف اللي وش أصفر زي الليمونة:

— “جالي عشان كان مديون لثلاث ورش كبار في صقر قريش، وكان واخد قرض بضمان معايشة الشركة، وطلب مني أقدم له تسهيلات وأشغل قطاع النقل بتاع شركته عندي بعقود الباطن عشان يلم العجز اللي عنده.. وجابلي واسطة عشان أقبل.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى