روايات وقص

د الممر طوله مكنش طويل

الممر طوله مكنش طويل، بس الخطوات فيه كانت تقيلة زي ما تكون ماشي في طين بعد مطرة شتا. ريحة الفنيك والدم المغلي كانت مالية المكان. دكتور الاستقبال، شاب صغير نضارته نازلة على طرف مناخيره، جرى عليا وهو بيحاول يستوعب المنظر: “يا فندم الحالة حادّة جداً، الضغط واطي والحرارة تحت المسموح! محتاجين ندخلها العناية حالاً، بس لازم حد يخلص أوراق الدخول والتعهدات…”

 

ما بصيتلوش. عيني كانت مثبتة على ثريا وبنتها، واقفين جنب مكتب الاستقبال زي صنمين من الشمع الصيني، وشوشهم بلون الحيطة المصفرة، والست ثريا إيدها كانت بتتغرز في شنطتها الجلد الكبيرة وكأنها بتدور على حبل نجاة جوة القماش.

“جهز أوضة العمليات والعناية المركزة،” قلتها للدكتور بصوت واطي، من غير ما أرفع النبرة، بس الصوت كان فيه ذبذبة تخلّي الزجاج يشرخ. “أي دكتور هيهمل في دقيقة، مش هيخرج من باب المستشفى ده تاني.”

الدكتور بلع ريقه، هز رأسه بسرعة من غير ما ينطق ولا كلمة، وشار للتمريض بالترولي. مريم كانت غايبة عن الوعي، وشها الأبيض بقا أزرق شاحب، والدم اللي ناشف على شفايفها كان معلم على القميص الأبيض المتقطع بتاعي.

أنا مسكت إيدها الثلج، بست صوابعها الضئيلة اللي كانت بتترعش بشكل لا إرادي، وهمست في أذنها: “حقك راجع يا مريم… والعهد اللي بيننا مش هينكسر.”

أول ما الترولي اختفى ورا الباب الكهربائي الألومنيوم بتاع قسم الطوارئ، الممر رجع ساكت. الصوت الوحيد كان صديد التكييف القديم وزنين لمبة نيون بترمض فوق دماغنا.

لفت وجشي لثريا هانم وبنتها نهى.

نهى كانت بترجع بضهرها لورا خطوة بخطوة لحد ما خبطت في حيطة المستشفى، عينيها كانت مبلمة في صدري. القميص المتقطع كان مبين التاتو الأسود؛ الجمجمة المايلة والسيفين المكسورين تحتها. الرمز ده مكنش مجرد رسمة على جلد، ده كان ختم “الضبع”… الاسم اللي طير أرقام وموازين تجارة المواني في بورسعيد والعين السخنة من عشر سنين، الاسم اللي لما كان بيتقال في اجتماعات رجال الأعمال والمهربين الكبار، كان الكل بيحط إيده في جيبه ويراجع حساباته.

“حسن…” ثريا حاولت تطلع صوتها، بس حبالها الصوتية كانت ناشفة. حطت إيدها على صدرها بتحاول تظهر الهيبة المفتعلة اللي عاشت بيها طول عمرها في البلد. “إنت بتكلم مين كده؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ إنت حتة موظف شحن بنتي هي اللي عملتلك قيمة و…”

سكتت لما خطوت خطوة واحدة ناحيتها.

الهدوء بتاعي كان أشد من أي صريخ. أنا مكنتش زعلان، الغضب الحقيقي مبيعملش دوشة، الغضب الحقيقي بيجمد الدم في العروق.

طلعت التليفون الصغير من جيب بنطلوني. تليفون زراير أسود ملهوش شاشة لمس ولا يتتبع من شبكات الاتصالات العادية. ضغطت على زرار واحد وسيبته على ودني.

“يا باشا.” الصوت جالي من الناحية التانية، كان صوت “العقرب”، دراعي اليمين اللي مسك الشغل في الظل لما قررت أختفي وأعيش راجل طبيعي جنب مريم.

“قفل بيلبيس،” قلت بصوت حاد كالحديد. “عزبة العشري تتسحب خطوطها. المحامية اللي كانت في بيت الحاج شاكر الليلة تتجاب لي في شوال. وبوابة المستشفى العام تتقفل بحديد. مفيش نملة تخرج.”

“أوامرك يا ضبع. خمس دقايق والبلد كلها تتشرب.”

ثريا ضحكت ضحكة مكتومة فيها خيلولة وخوف، وبصت لبنتها نهى: “إنت بتتمسخر يا حسن؟ فاكر نفسك في فيلم؟ إنت بتهدد ثريا العشري في بلدها؟ ده أنا بتلفون واحد من رئيس المباحث أخليك تعفن في التخشيبة!”

طلعت تليفونها الآيفون بسرعة، صوابعها المطليّة بالأحمر كانت بتتنفض وهي بتطلب رقم. حطت التليفون على ودنها وبصتلي بتحدي: “ألو… إلحقني يا سيادة العمدة… أنا في المستشفى و…”

سكتت فجأة.

الصوت اللي جيلها من التليفون مكنش صوت العمدة. كان صوت راجل خشن، بيتنفس ببطء: “يا ثريا هانم… العمدة حالياً بيشرب شاي معانا في المقر… والتليفون ده مش هيتصل بحد تاني. نصيحة، امسحي دم بنتك مريم من إيدك عشان الدم ده تقيل أوي عليكوا.”

التليفون وقع من إيد ثريا على الأرض البلاط واترشم مية حتة.

نهى اترمت على ركبها، وبدأت تعيط بصوت طالع بالعافية: “أنا ماليش دعوة يا حسن! والله هي اللي قالتلي اضربيها! هي اللي قالت مريم لو ما مضتش مش هتاخد شبر في أرض العشري! هي اللي طفت الكاميرات وقالت لي نسحلها في التلج والبرد عشان تتأدب!”

“يا جزمة!” ثريا نزلت بإيدها ضرب على وش بنتها نهى، “بتبيعي أمك يا زبالة؟!”

وقفت بتفرج عليهم. المنظر كان مقرف. عليلة الفلوس والنفوذ اللي كانوا بيبصوا للناس من فوق، بياكلوا في بعض زي الكلاب المسعورة أول ما الضلمة كشفت عن أسنانها.

خطوت ناحيتهم، وركبتي نزلت لمستوى نهى. مسكتها من قفاها زي الفأر المبلول ورفعت وشها ليا.

“الضربة اللي على خد مريم…” قلت وأنا ببص في عينيها المرعوبة، “كانت بانهي إيد؟”

نهى كانت بتشهق، وشها بقى أحمر وزرق: “أمـ… أمي… خاتم أمي الذهب…”

لفت لثريا. ثريا كانت بترجع لورا، بس ضهرها خبط في بوابات المستشفى اللي اتدبت فجأة بصوت حديد حامي بيتقفل. أربعة رجالة بطول الباب، يرتدون بدلات سوداء مقفولة، وقفوا ورا الباب، وشوشهم خالية من أي تعابير. “العقرب” كان واقف وسطهم، معاه شنطة جلد سوداء صلبة.

العقرب دخل الممر بخطوات منتظمة، وقف جنبي ووطى راسه: “كل حاجة جاهزة يا معلم. العزبة تحت إيدنا. المحامية في العربية برة ومقصوص لسانها، والأوراق اللي حاولوا يبصموها لمريم اتحرقت.”

“والبيت؟” سألت.

“بيت العشري اتقفل بالجناديل. مش هيتدخله نور تاني.”

ثريا كانت بتنهد زي اللي بيموت، مسكت في الحيطة ورجليها مش شايلاها: “إنت مين؟ إنت مش حسن… حسن الغلبان اللي كان بيسوق المحافير ويفضي الكراتين… إنت مين؟!”

العقرب بص لها بقلة قيمة وضحك ضحكة مكتومة: “حسن؟ حسن ده الاسم اللي اخترت تدفن بيه نفسك عشان ست نظيفة زي مريم يا ثريا هانم… ده ‘الضبع’ اللي كان بيمشي السفن في بورسعيد بكلمة منه، والوزراء بيعملوا له حساب قبل ما يوقعوا أي مناقصة. إنتوا اعتديتوا على الست الوحيدة اللي خلت الراجل ده يسيب سلاحه ويختار يعيش بني آدم.”

في اللحظة دي، باب العناية المركزة اتفتح. الدكتور خرج، وشه كان شاحب والرقبة بتاعته عليها عرق.

“أستاذ حسن…” الدكتور قال وهو بيتنفض.

مشيت ناحيته وسبت ثريا ونهى للرجالة. “اتكلم.”

“الحمد لله… وقفت النزيف الداخلي. الضلوع فيها كسور، والحرارة بدأت ترجع، بس…” الدكتور سكت وبلع ريق بالعافية.

“بس إيه؟”

“الضربة اللي كانت على الوش… الخاتم عمل جرح عميق وأثر على العصب السابعي… مريم هانم ممكن تحس بشلل جزئي في وشها، وجزء من علامة الخاتم هيعلم طول عمرها…”

السكون اللي نزل على الممر كان أتقل من الجبل.

أنا غمضت عيني. الصورة جاتلي في دماغي: مريم، الست اللي كانت بتصحى الساعة ستة الصبح عشان تعملي قهوة، الست اللي كانت بتضحك في وشي وتتقاسم معايا اللقمة الناشفة وتقولي “أنا معاك يا حسن في أي حتة”، الست اللي كانت أحلى حاجة في حياتي المظلمة… وشها الجميل يتعلم عليه بخاتم ذهب عشان شوية طين وفلوس؟

فتحت عيني. اللون الأحمر كان غطى على رؤيتي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى