روايات وقص

د الممر طوله مكنش طويل

لفت لثريا.

“الخاتم،” قلت بصوت ميت.

ثريا كانت بتترعش، إيدها اليمين كانت متلجة. حطت إيدها الشمال على الخاتم الذهبي الثقيل اللي في صباعها، الخاتم اللي عليه نقش العشري القديم.

“لا… لا يا حسن… ده مال أبوها! دي أراضي العشري! إنت مالكش حق…”

ما كملتش الكلمة.

العقرب اتحرك بسرعة الفهد، مسك ذراع ثريا وثبته على البلاط. ثريا صرخت صرخة هزت المستشفى، ونهى بدأت تصرخ وتستغيث، بس أجناد الضبع مسكوها وكتفوها.

أنا مشيت بالراحة، ونزلت على ركبتي قدام ثريا. مسكت صباعها اللي فيه الخاتم.

“مريم خسرت صحتها ووشها الجميل بسبب الخاتم ده،” قلت وأنا ببص في عينيها المرعوبة. “وإنتِ هتخسري كل حاجة بنيتيها طول عمرك.”

سحبت الخاتم من صباعها بقوة خلت الجلد يتشرخ، ورميته على الأرض تحت جزمتي. وضغطت عليه بعقبي لحد ما الدهب اتعوج واتطبق على البلاط.

“العقرب،” أمرت وأنا بوقف.

“تحت أمرك يا معلم.”

“كل أراضي العشري… التلاتين فدان، المحلات، والبيت الكبير… يتحولوا بكرة الصبح باسم مريم شاكر العشري. والشركات والمخازن اللي باسم ثريا ونهى… تنباع في المزاد بكرة الساعة تسعة الصبح.”

“والفلوس؟”

“تتدفع كلها لجمعيات الأيتام في بيلبيس وبورسعيد. مش عايز مريم تدخل جيبها قرش واحد من الفلوس الملوثة دي.”

ثريا صرخت بقلب محروق: “إنت بتدمرنا! بتدمر عيلة العشري! ده شقا عمرنا!”

“شقا عمرك؟” قعدت قدامها تاني، ووشي كان قريب جداً من وشها. “شقا عمرك كان في دم بنتك اللي سحلتيه في الثلج بالليل. إنتِ مش بس خسرتي أرضك… إنتِ خسرتي حياتك.”

لفت للعقرب: “خد الاتنين دول… واقفل عليهم في مخزن بورسعيد القديم. مش عايزهم يشوفوا الشمس لحد ما مريم تقف على رجليها وتحدد هي عايزة تعمل فيهم إيه.”

رجالة الضبع شالوا ثريا ونهى زي الشوالات، وصريخهم كان بيبعد بالتدريج في الممرات لحد ما الباب الحديد الخارجي اتقفل، ورجع الهدوء التام.

عدت تلات أيام.

كنت قاعد جنب سرير مريم في الأوضة الخاصة في المستشفى. النور كان خافت، وصوت جهاز نبضات القلب كان هو النبض الوحيد في الأوضة.

إيدها كانت جوة إيدي، دافية. وشها كان ملفوف بشاش أبيض، بس عينها الشمال كانت مفتوحة، بتتفرج عليا بالراحة.

“حسن…” صوتها كان طالع بصعوبة، ناشف ومتقطع.

“عيون حسن،” بست إيدها ببطء.

“أمي… وأختي…”

“ما تفكريش فيهم يا مريم. كل حاجة انتهت. الحق رجع لأصحابه.”

مريم رفعت إيدها التانية بالراحة، وحطت صوابعها على الشاش اللي مغطي خدها: “الدكتور قال لي… العلامة مش بتروح بسهولة… وشي اتدمر يا حسن…”

دمعة نزلت من عينها.

مسحت الدمعة بصباعي الكبير، وقربت منها لحد ما جبهتي لمست جبهتها: “وشك هو أنضف وأحلى حاجة شفتها في حياتي. والعلامة دي مش شتيمة… دي الختم اللي أثبت إنك أنضف منهم كلهم.”

مريم بصتلي بتمعن، وعينها نزلت على صدري، على القميص الجديد اللي كان مفتوح منه أول زرارين، ومبين جزء من التاتو.

“إنت مين يا حسن؟” سألت بكسرة. “المحامية اللي جابوها الصبح تحول الملكية ليّا كانت بتترعش وهي بتنطق اسمك… والمدير بتاع المستشفى بيمشي وراك زي الظل… إنت مش حسن بتاع الشحن اللي أنا اتجوزته.”

سكتت لحظة. الهواء في الأوضة بقى تقيل.

وقف ببطء، ومشيت ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على شوارع بيلبيس الضيقة والضباب اللي مغطي البلد في الشتا.

“أنا حسن يا مريم…” قلت وأنا بديها ضهري. “حسن اللي حباكِ… بس قبل ما أعرفك، كنت الراجل اللي الشياطين بتخاف منه. كنت بمتلك المواني، والكلمة مني كانت بتبني بيوت وتهدم أسر.”

لفت ليها وبصيت في عينها مباشرة: “أنا سبت العالم ده عشانك… عشان أعيش راجل عادي، أعملك قهوة يوم الجمعة ونعيش بستر ربنا. بس أهلك أجبروني أفتح الباب اللي قفلته بيدي.”

مريم كانت بتبصلي، ومكنش في عينها خوف… كان فيه حزن عميق، ومزيج من الذهول.

“واللي عملته فيهم…” همست. “عملت فيهم إيه؟”

“خدت منهم كل حاجة…” قلت بثبات. “الفلوس، الأرض، والنفوذ. مش هيقدروا يرفعوا راسهم تاني.”

قبل ما مريم ترد، باب الأوضة اتفتح ببطء شديد من غير ما يخبط.

العقرب دخل، وشها كان مشدود، وعلى غير العادة، كان باين عليه القلق.

قرب مني ووطى رأسه، وهامس في وذني بصوت مش طالع غير ليّا أنا بس:

“يا ضبع… عندنا مشكلة كبيرة.”

بصيت له بحزر: “إيه اللي حصل؟”

“المخزن بتاع بورسعيد… اتفتح من جوة.”

عيني ضيقت: “يعني إيه اتفتح من جوة؟ ثريا ونهى هربوا؟”

“لا يا معلم…” العقرب بلع ريقه وهو بيطلع كارت أسود صغير من جيبه، عليه رسمة سيف مكسور بنفس الطريقة بتاعة التاتو بتاعي، بس مطلي بالدم الجاف. “ثريا ونهى لسه جوة… بس ميّتين. ومتروك الكارت ده على صدر ثريا.”

قلبي اتنفض، بس وشي فضل ثلج.

الكارت ده كان علامة “المجلس”… القادة القدامى لتجارة المواني اللي أنا اختفيت وسيبت لهم السوق من أربع سنين، الناس اللي اقسموا إن لو “الضبع” ظهر تاني في السوق أو استعمل نفوذه، هيعدموا كل عيلته.

مسكت الكارت في إيدي، ولقيت مكتوب على ضهره بخط إيد رفيع:

“كنت فاكر إنك تقدر تختفي يا حسن؟ أهلك عملوا الواجب وطلعوك من جحرك… ودلوقتي، الدور على الست اللي لفة الشاش على وشها.”

لفت بسرعة وبصيت لمريم اللي كانت بتتفرج علينا بالراحة، مش فاهمة في إيه.

في نفس اللحظة… النور في المستشفى كلها اتقطع.

وصوت أجهزة أمان المستشفى أطلقت صفارات الإنذار، وصوت خطوات تقيلة ومكتومة بدأت تترسخ في الممر برة الأوضة… خطوات مش بتاعة دكاترة ولا تمريض.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى