روايات وقص

هاله القمر الجزء الثاني

وقفت ليلى أمام الباب الخشب الأبنوسي الضخم، واللوحة النحاس المعلقة عليه بوقار كئيب مكتوب عليها “قاعة المؤتمرات – لجنة التقييم المالي”. كانت الحروف بتلمع في وشها كأنها “نصل” مستعد أحلامها. ليلى خدت نفس عميق، وحست بصدرها بيضيق، ضغطت على إيد شنطتها القماش “الكانفاس” الملونة لحد ما عقل أصابعها ابيضّت من شدة التوتر، وقلبها جوه كان بيدق زي طبول الحرب.

 

“تك!”

صوت “شاتر” كاميرا احترافية اخترق صمت الطرقة الرخامية. ليلى اتنفضت وبصت وراها، لقت “سارة” واقفة بوضعية التصوير المثالية، رجل مقدمة ورجل مؤخرة، ومنزلة الكاميرا من على عينها بابتسامة “منعشة” كسرت جمود المكان.

سارة كانت طالعة في الكادر زي “عفريتة” وسط متحف شمع؛ لابسة بنطلون جينز واسع بجيوب كتير (Cargo) وحزام جلد بني متهالك من كتر الشغل، وقميص كاروهات أحمر في أسود سايباه مفتوح فوق تيشيرت أسود سادة. شعرها القصير كان متداس عليه بطرف الكاميرا اللي مدلدلة من رقبتها، والابتسامة في عينيها كانت بتقول “أنا هنا”.

سارة بغمزة شقاوة: “يا أرض احفظي ما عليكي! الكادر ده كان ناقصه مانشيت (البطلة في مواجهة المستحيل). تصدقي يا لولو، الـ (Focus) في الصورة طالع عالمي.. وشك وأنتِ بتبصي للباب وراه انفعال ودراما يجننوا قدام ‘الرمادي’ اللي كان واقف معاكي في المصعد ده.”

ليلى اتنهدت براحة: “سارة! إنتِ جيتي في وقتك يا مجنونة.. ده أنا كنت خلاص هلف وأرجع. شوفتي البني آدم ده كئيب إزاي؟ ده مش مهندس، ده (خوارزمية) ماشية على رجلين، قفلني وسد نفسي قبل ما أدخل القاعة أصلاً.”

سارة قربت منها، وبصت في الكاميرا وهي بتفر في الصور، وقالت بصوت واطي فيه حكمة مفاجئة: “عارفة يا لولو؟ الكاميرا مبترسمش ملامح، الكاميرا بتفضح اللي جوه.. والرمادي ده، ورا الجمود اللي بيصدره، فيه نظرة تايهة. إنتي النهاردة معملتيش عرض ديكور، إنتي عملتي (زلزال) في ثوابته. فكي بقى، وخلي ألوانك هي اللي تتكلم.”

سارة حطت إيدها على كتف ليلى وهزتها بقوة: “فكي يا فنانة.. الرمادي ده هو اللي لازم يخاف من ألوانك. ده كادر جامد أيوة، بس محتاج ‘إضاءة’ صح، وإضاءته النهاردة هي خيالك. يالا يا لولو، ادخلي وريهم إن الروح هي اللي بتبني، مش الجداول الناشفة.. الحرب بدأت، وأنا هنا بوثق لحظة انتصارك.”

**************

في اللحظة دي، موبايل ليلى اتهز في إيدها. بصت للشاشة وابتسمت بتوتر: “ده يوسف.. بيطمن عليا.”

فتحت ليلى السبيكر، وجيه صوت يوسف الجهوري، الحازم، واللي في نفس الوقت فيه دفء الأخ الشهم: “يا ليلى، ركزي. افتكري إنك أخت سيادة الرائد، يعني مفيش حد يقدر يهز شعرة في ثقتك. الهجوم يا ليلى، الهجوم هو خير وسيلة للدفاع.”

أول ما سارة سمعت صوت يوسف، ملامحها اتغيرت فجأة. الضحكة اختفت وحل محلها “توجس” مفتعل، وخطفت الموبايل من إيد ليلى بسرعة وبنبرة مستفزة: “سيادة الرائد.. ممكن تهدي (الرتبة) بتاعتك دي شوية؟ البنت متوترة، ونصايحك العسكرية دي هتخليها تدخل اللجنة ترفع (تمام) بدل ما تعرض التصميم. سيب الفن لأهله يا يوسف بيه.”

السكوت ساد ثانية على الخط، وكأن يوسف بيستجمع صبره، وبعدها جيه صوته بنبرة حازمة أكتر: “أنا قولت أكيد (المصيبة) دي معاكي. سارة.. إنتي إيه اللي جابك هناك؟ مش وراكي جلسة تصوير تلمي فيها عدساتك دي بدل ما إنتي ماشية تخترقي خصوصيات الناس؟”

سارة بضحكة تحدي وعينها فيها لمعة غريبة: “أنا هنا (دعم فني) لأختك اللي إنت وأخواتك منشفين دماغها. وبعدين أنا بصور (جمال)، حاجة كده إنت مابتشوفهاش في المحاضر بتاعتك يا سيادة الرائد.”

يوسف: “طيب لمي نفسك يا (جمال)، ولما أشوفك لينا كلام تاني.. ليلى، بالتوفيق يا حبيبتي، ومتخليش حد يأثر عليكي.”

قفل يوسف، وسارة فضلت بصة للموبايل ثانية زيادة قبل ما ترجعه لليلى. ليلى غمزت لها: “واضح إن الرائد يوسف حاطك في دماغه قوي يا سارة.”

سارة رفعت الكاميرا لعينها بسرعة عشان تداري وشها: “ده يتمنى يلمحني غلطانة عشان يعملي محضر.. . بس العسكري ده ميعرفش إن عدستي بتجيب تفاصيل هو مبيحلمش يشوفها.. يالا يا لولو، اضحكي، الكاميرا جاهزة، والروح جاهزة تكسر الجمود.”

سارة أخدت لقطة سريعة لليلى وهي بتضحك بثقة جديدة، ومشوا مع بعض ناحية قاعة الاجتماعات،

بعد ما ليلى دخلت، سارة وقفت لوحدها في الطرقة، نزلت الكاميرا وبصت للفراغ، لمست طرف القميص الكاروهات بتوتر، وكأن خناقتها مع يوسف مش مجرد مناقرة، دي “خناقة قديمة” لسه نارها تحت الرماد، وحاجة في ملامحها قالت إنها بتداري إعجاب قديم بوجع مكتوم.

سارة صديقة ساره (العدسة الموثقة)

سارة. فى نفس عمر ليلى

صديقتها الدراسه من الطفوله.. والدها متوفى وعيشه مع مامتها اللى بتشتغل وكيلة مدرسه

بتشتغل مصورة فوتوغرافية حرة (Freelance Photographer) متخصصة في تصوير المعمار وحياة الشارع (Street Photography).

وظيفتها تحويل اللحظات الجامدة إلى قصص بصرية.

هى ضلع ثانى لشخصية ليلى:

إذا كانت ليلى هي “الريشة والألوان والعاطفة المندفعة”، فإن سارة هي “العدسة التي توثق الجمال، والواقعية المتفائلة، والعقل المدبر الهادئ”…

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى