
كان فيه بيتين لازقين في بعض في حتة شعبية على قدها بس دافية، بلكونتين قصاد بعض وبينهم منور صغير، لو حد مد ايده ممكن يلمس التاني. في البلكونة اليمين كانت ساكنة نادين، بنت عندها ستاشر سنة، شعرها طويل ومربوط دايما كحكة، وعينيها بتلمع كأنها لسه صاحية من حلم حلو. وفي البلكونة الشمال كان ساكن شادي، شاب عنده سبعتاشر سنة، اهلاوي متعصب وبيحب يصلح اي حاجة بايده.
الموضوع بدأ بهزار، نادين كانت بتنشر الغسيل وشادي قاعد بيذاكر ثانوية عامة ومش طايق الكتاب، فحدف لها ورقة صغيرة مكتوب فيها بطلي تنشري الغسيل وانا بذاكر، احسن الغسيل بتاعكم بيسد الشمس عني. نادين قرت الورقة وضحكت وراحت كاتبة له ورقة تانية وحدفاها، مكتوب فيها وانت مال اهلك، بلكونتك ولا بلكونتنا. ومن هنا بدأت رسائل السطح.
بقوا كل يوم يحدفوا لبعض ورق، الاول كان هزار وشتيمة خفيفة، بعد كده بقى سلام وصباح الخير، بعد كده بقى عاملة ايه النهاردة، بعد كده بقت رسائل طويلة. شادي كان بيكتب لها عن حلمه يبقى مهندس ويبني بيت ليه بلكونتين لازقين في بعض برضه عشان يفضلوا قصاد بعض. ونادين كانت بتكتب له عن انها نفسها تدخل فنون جميلة وترسم الحي كله.
ام نادين اسمها نادية، ست طيبة بس شديدة، كانت دايما تقول لنادين خليكي في حالك ومتكلميش حد. وابو شادي اسمه مسعد، راجل ارزقي بيشتغل سواق ميكروباص، وكان بيحب شادي وبيشجعه. كان فيه كمان صاحبة نادين الانتيم نرمين، كانت عارفة كل حاجة عن الرسائل وكانت بتساعدها تكتب ردود حلوة. وصاحب شادي اسمه خالد، كان بيقوله يا عم انت واقع لشوشتك والبنت دي هتوديك في داهية.
حبهم كان نقي بشكل يخلي الواحد يعيط، لا فيه لمس ولا كلام في الشارع ولا حتى رقم تليفون، كله ورق. شادي كان بيستنى معاد الغسيل بتاع نادين عشان يشوفها، ونادين كانت بتعمل نفسها بتنفض السجادة عشان تلمحه. كانوا بيتفقوا بالورق على معاد الرسالة الجاية، يعني مثلا يقولها هحدفلك رسالة الساعة سبعة لما امي تدخل المطبخ. وهي تقوله وانا هرد عليك الساعة تمانية لما ماما تروح تصلي.
شادي كان عامل لنادين حصالة ورق، كل رسالة منها كان بيشيلها ويحطها في علبة صفيح قديمة بتاعة بسكوت، ويكتب عليها من بره ممتلكات شادي الخاصة ممنوع الاقتراب. ونادين كانت عاملة نفس الحكاية بس كانت مخبياهم في كتاب رسم كبير محدش بيفتحه. كانوا بيتخانقوا بالورق برضه، مرة اتخانقوا عشان شادي قالها ان رسمها وحش، قعدت يومين متردش عليه وهو هيموت، لحد ما كتب لها رسالة اعتذار طولها صفحة كاملة وقالها انتي بترسمي احلى من بيكاسو نفسه، ولو بطلتي تكلميني هارمي نفسي من البلكونة، هي بلكونة دور تاني يعني مش هيموت بس هي صدقت وخافت وردت عليه.
في يوم نادين كتبت له رسالة طويلة اوي، قالتله انا حاسة اني بحبك بجد يا شادي، واول مرة احس الاحساس ده، انا بخاف من اليوم اللي مش هشوفك فيه. شادي لما قرا الرسالة قعد يعيط من الفرحة ورد عليها برسالة اطول، قالها وانا بموت فيكي يا نادين، وعمري ما هسيبك حتى لو الدنيا كلها وقفت قصادنا. ومن بعد الرسالة دي بقى الحب بينهم رسمي، حتى لو مفيش حد يعرف غير نرمين وخالد.
فضل الحال ده سنتين، سنتين كاملين رسائل رايحة جاية، لحد ما بقت البلكونة بتاعتهم مليانة ورق مستخبي تحت الزرع وتحت الكراكيب. نرمين كانت كل شوية تقول لنادين خلي بالك يا بت، لو امك شافت الورق ده هتتنفخي. ونادين تقولها يا بت متخافيش، ماما مش بتطلع البلكونة اصلا. بس نادية كانت بدأت تشك، كانت بتلاحظ ان نادين على طول في البلكونة، وبتضحك لوحدها، وبتكتب كتير.
وفي يوم كانت بتنضف البلكونة عشان العيد داخل، وبتشيل الكركبة، لقت علبة بلاستيك قديمة، فتحتها لقت فيها يجي خمسين رسالة، كلها بخط شادي وخط نادين. قرت اول رسالة، تاني رسالة، تالت رسالة، وشها احمر وايديها بترتعش. ندهت لنادين وقالت لها ايه ده يا نادين، ايه الورق ده كله، انتي بتكلمي الواد اللي قصادنا من ورايا.
نادين وشها اصفر وقعدت تعيط وتقولها يا ماما والله ما حصل حاجة، احنا بنتكلم بس كلام عادي، ده زي اخويا. نادية ما سمعتش، مسكت الورق وقطعته قصاد عينيها وراحت لابو نادين وقالتله شوف بنتك بتعمل ايه. ابوها راجل ساكت بس لما بيزعق البيت كله بيسكت، قالها مفيش بلكونة تاني ومفيش رسم ومفيش خروج الا للمدرسة. نادين دخلت اوضتها وقعدت تعيط لحد ما عينيها ورمت.
وبعدها باسبوع، نادية خدت قرار انها هتبعت نادين تعيش مع خالتها في محافظة تانية، في المنصورة، عشان تبعد عن شادي خالص. نادين قعدت تبوس ايد امها ورجليها وتقولها ابوس ايدك يا ماما متبعدينيش، انا مش هكلمه تاني، والله ما هبص من البلكونة تاني، بس مفيش فايدة. نادية كانت خايفة عليها بزيادة عن اللزوم وكانت فاكرة انها كده بتحميها. يوم السفر، نادين ملحقتش حتى تودع شادي، كتبت له ورقة صغيرة بسرعة وحدفتها قبل ما تنزل، مكتوب فيها شادي هتوحشني اوي، هيودوني المنصورة، استناني، اوعى تنساني، وخبتها تحت حجر صغير عشان الهوا ميطيرهاش.




