
شادي صحي الصبح ملقاش نادين، لقى البلكونة فاضية ومقفولة، وفضل ينده عليها، يا نادين، يا نادين، مفيش رد. نزل جري سأل نرمين، نرمين جت من تحت وعينيها حمرا وقالتله الحق يا شادي، نادين سافرت المنصورة عند خالتها الفجر، امها لقت الرسائل. شادي حس ان قلبه وقع في رجليه، طلع جري على البلكونة لقى الورقة الاخيرة تحت الحجر، مسكها وقعد يعيط زي العيل الصغير. ابوه مسعد طبطب عليه وقاله يا ابني بكرة تكبر وتنسى، دي عيلة صغيرة، والحب بتاع العيال ده بيروح.
بس شادي منساش، عدى يوم واتنين وشهر وسنة، وهو كل يوم يبص على البلكونة الفاضية ويفتكر كلامها. كان كل ما ييجي ينشر غسيل يفتكرها، كل ما يشوف كراسة رسم يفتكرها. دخل كلية هندسة زي ما كان بيحلم، بس كان داخلها وهو حاسس ان في حتة ناقصة منه. وكان كل اجازة يرجع يقف في البلكونة ويبص، يمكن ترجع. حتى خالد كان بيقوله يا عم انسى بقى، ده انت بقيت مهندس قد الدنيا والبنات حواليك، يقوله انتم مش فاهمين، انا مش بحب بنت، انا بحب ذكرى.
ناحية تانية، نادين في المنصورة كانت حياتها مقلوبة، خالتها كانت ست قاسية جدا، كانت بتعاملها كأنها خدامة، تصحيها من الفجر تروق البيت وتعمل الاكل وتذاكر في الاخر خالص. نادين بقت منطوية، بطلت ترسم، بطلت تضحك، وبقت تشوف الدنيا كلها غدر. كانت بتحاول تكتب لشادي بس خالتها كانت بتراقبها، وفي مرة لقتها بتكتب جواب قطعته وضربتها وقالت لها انسي الواد ده، هو زمانه نسيكي وشاف واحدة تانية، الرجالة كلهم كده. والاسوأ ان خالتها كانت كل ما حد ييجي يسأل عليها من طرف شادي، تقولهم نادين اتخطبت لابن جارتنا وهتتجوز قريب خلاص.
الكلام ده دخل في قلب نادين زي السم، بقت تقول لنفسها هو فعلا نسيني، سبع سنين محاولش يدور عليا، ولا حتى بعتلي مع نرمين، يبقى كان بيتسلى بيا. ومع الوقت، نادين اتغيرت، بقت باردة، مبتتكلمش كتير، بتلبس لبس غامق، وشها على طول مكشر، ودخلت كلية تربية قسم رسم بس كانت بترسم حاجات كلها حزينة وكئيبة، ستات بتعيط، بيوت مقفولة، بلكونات فاضية.
بعد سبع سنين بالتمام والكمال، ابو نادين تعب اوي، جاله القلب فجأة، فاضطروا يرجعوا تاني بيتهم القديم عشان يكونوا جنبه. نادين رجعت الحتة بعد سبع سنين، بقت عندها تلاتة وعشرين سنة، واحدة تانية خالص غير البنت اللي كانت بتنشر الغسيل وتضحك، شعرها قصته، بطلت تربطه كحكة، وبقت رفيعة ووشها دبلان. اول يوم رجعت فيه، كانت واقفة في البلكونة بتنفض التراب، شادي شافها من بلكونته.
شادي اول ما شافها قلبه دق بسرعة كأنه عنده ستاشر سنة تاني، جري على البلكونة وهو مش مصدق وقالها نادين، نادين انتي رجعتي، وحشتيني اوي، انا كنت مستنيكي كل يوم، انتي عاملة ايه، شكلك اتغير ليه. نادين بصتله ببرود غريب، برود يوجع اكتر من الشتيمة، وقالتله ازيك يا شادي، عامل ايه، اخبارك ايه. قالها ايه البرود ده، مالك، انتي زعلانة مني، انا والله مكنتش اعرف اوصلك، نرمين قالتلي ان خالتك مانعة اي حد يكلمك وانك اتخطبتي.
نادين ضحكت ضحكة باردة وقالتله لا يا شادي انا مش زعلانة، انا بس كبرت وفهمت، فهمت ان اللي كنا بنعمله ده كان عيال صغيرة بتلعب، رسائل ورق وجو بلكونات، خلاص بقى، احنا كبرنا والمفروض نعقل، شوف حياتك يا باشمهندس. شادي اتصدم وقالها عيال، انتي بتقولي على حبنا عيال، ده انتي كنتي كاتبة لي انك بتحبيني وعمري ما هنساكي، انا محتفظ بكل رسايلك لحد دلوقتي.
قالتله كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة، وانت كمان كنت صغير، وبعدين انت فاكرني هفضل مستنياك سبع سنين، انا شوفت حياتي وانت شوفت حياتك، ياريت كل واحد يخليه في حاله، انا نسيت كل حاجة خلاص. شادي حس كأن حد ضربه بالقلم، دخل اوضته وقعد يخبط دماغه في الحيطة، ازاي بقت كده، فين نادين بتاعتي اللي كانت بتكتبلي بحبك، فين ضحكتها.
تاني يوم حاول يكلمها تاني، قلبه مش مطاوعه يسيبها، حدفلها ورقة زي زمان مكتوب فيها نادين انا لسه بحبك زي اول يوم، ارجوكي اديني فرصة نتكلم خمس دقايق بس. نادين خدت الورقة قطعتها قصاد عينه ورمتها في المنور وقالتله بطل شغل العيال ده يا شادي، انا مش عايزة مشاكل مع امي تاني، ولو حدفتلي ورق تاني هرميه في الزبالة، ولو سمحت متتكلمش معايا تاني.
خالد صاحبه قاله يا ابني سيبك منها، البت اتغيرت، المنصورة غيرتها، باين عليها شافت بلاوي، وانت لسه هتتعب نفسك ليه. ونرمين راحت لنادين البيت وقالت لها ليه كده يا نادين، ليه بتعملي في الواد كده، ده شادي بيحبك بجد، ده عمره ما كلم بنت غيرك، ده كان بيجيلنا يسأل عليكي كل شهر، ده كان بيبعت معايا رسائل وخالتك كانت بتقطعها. نادين اول ما سمعت كده عيطت قصاد نرمين لأول مرة بعد سبع سنين وقالت لها انا موجوعة يا نرمين، انا اتكسرت، انا قعدت سبع سنين مستنياه يجي ياخدني من هناك ومجاش، انا كنت بموت كل يوم هناك، كنت بنام معيطة واصحى معيطة، وهو كان هنا عايش حياته، دخل هندسة وبقى مهندس قد الدنيا، وانا كنت بتمسح بلاط عند خالتي.
نرمين قالت لها يا هبلة، هو كان فاكرك انتي اللي نسيتيه، خالتك كانت بتقوله انك مش عايزة تكلميه، وانك خطوبتي هناك لابن جارتكم وهتتجوزي. نادين شهقت وقالت ايه، مين قال كده، انا عمري ما اتخطبت، ده انا كنت بدعي ربنا كل يوم انه يرجعني هنا. نرمين قالت لها خالتك يا نادين، خالتك هي اللي قالت كده عشان تبعدكم عن بعض.
نادين ساعتها فهمت انها ظلمت شادي، وظلمت نفسها، وان البرود اللي كانت عاملاه ده كان غطاء على وجع كبير اوي جواها. فضلت طول الليل سهرانة تبص على البلكونة بتاعته وهو قاعد في الضلمة لوحده، كان شكله تعبان وحزين. قامت كتبت ورقة بسرعة، ايديها بتترعش ودموعها نازلة على الورقة بتبوش الحبر، وكتبت فيها شادي انا اسفة، انا كنت فاكراك نسيتني، طلعنا احنا الاتنين موجوعين وملعوب بينا، لو لسه بتحبني حدفلي الورقة البيضا اللي كنت بتحطها في جيبك زمان وقايلي دي بتاعة الصلح.
شادي شاف الورقة نازلة، قام بسرعة فتح دولابه، طلع علبة البسكوت الصفيح اللي لسه محتفظ بيها، دور فيها على الورقة البيضا اللي كان محتفظ بيها من سبع سنين، ورقة فاضية كان بيقولها لو في يوم زعلنا من بعض ابعتيلي الورقة البيضا دي معناها اننا نبدأ من جديد مهما حصل. حدفها لها، الورقة طارت في الهوا شوية قبل ما توصلها، نادين مسكتها وحضنتها وقعدت تعيط بصوت عالي لأول مرة من سنين. شادي ضحك وهو بيعيط وقالها اخيرا، اخيرا رجعتي يا نادين. ومن ساعتها رجعت رسائل السطح تاني، بس المرة دي رسائل ناس كبيرة، ناس داقت الوجع وعرفت قيمة الحب النقي اللي كان بينهم، وبقوا كل يوم يحدفوا لبعض ورقة، بس المرة دي الورق بقى فيه وعد انهم مش هيسيبوا بعض تاني ابدا مهما حصل ومهما الدنيا فرقتهم والحب رجع اقوى وانضف وابقى من الاول وعرفوا ان اللي بينهم عمره ما مات ابدا بجد للأبد للأبد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




