
لم يكن لقاؤهما في حفلة صاخبة أو صدفة سينمائية، بل كان في ممر ضيق بأحد مراكز التدريب. ياسين، الشاب الذي يقدس النظام، الهادئ لدرجة الجمود، والذي يرى أن المشاعر “تشتيت عن الهدف”. وليلى التي كانت تبحث عن مكان القاعة بضجيج عفوي، تسأل الجميع وتضحك مع الكل. الشرارة لم تكن نظرة حب من أول نظرة، بل كانت تحدياً. في أول نقاش بينهما حول مشروع مشترك، وقف ياسين ببروده المعتاد ليتفقد أفكار ليلى “الخيالية” بمنطق جاف.
ياترى مين اللى هيفوز افكار ليلى ولا منطق ياسين تعالو نشوف الحكايه من بدايتها
الفصل الأول
حصريه على صفحة روايات هالة القمر
الأضواء الخافتة الحمراء كانت بتنعكس على الكؤوس الكريستال، وصوت الموسيقى الهادئة الممزوجة بضحكات نسائية ناعمة كان مالي أركان الجناح الخاص في الفندق الفخم. الجو كان “قاعدة مزاج” مترتبة بالمللي عشان “تفرفش” البشمهندس وتنسيه جداول الإكسيل.
ياسين كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، فكاك زرارين من قميصه الأبيض، وساند راسه لورا بعيون شبه مغمضة.. ملامحه الحادة اللي الكل بيخاف منها كانت هادية، بس هدوء مش مريح، هدوء اللي بيهرب من سجن أبوه. قربت منه بنت شقراء، ملامحها فائقة الجمال، وبكل دلال وجرأة قعدت جنبه، ولمست كف إيدها رقبته بهمس دايب: “إيه يا بشمهندس.. السهرة مكسرة الدنيا، وإنت لسه عقلك في البورصة؟ ارمي الأرقام الليلة دي.. وخليك معايا.”
ياسين مالتفتش ليها، بس كف إيدها على رقبته خلاه يحس بـ “خنقة” مش متعة. كان شايف أصحابه غرقانين في اللحظة، وتامر عمال يضحك ويهزر.. وياسين للحظة، استسلم للدلال ده، ساب البنت تقرب، ونَفَسها العطري يلمس وشه، وبدأ يتخلى عن “قيود السلحدار”.. بس بالظبط في اللحظة اللي كانت الشفايف هتقرب فيها، جواه حاجة صرخت!
صورة والده “عاصم” وهو بيقوله: “المشاعر ثغرة أمنية.. متسيبش حد يلمس درعك”.. وصوت جرح قديم جواه فجأه فّوقه. بكل حسم ورجولة، مسك إيد البنت وبعدها عنه بهدوء مرعب، وقام وقف، عدّل قميصه ورجع السلحدار الناشف في ثانية واحدة.
تامر (بصوت عالي وسط المزيكا): “على فين يا ياسين؟ إحنا لسه بنبدأ يا صاحبي!” ياسين (ببرود آلي وعين حادة): “المتعة اللحظية بتفسد الحسابات يا تامر.. أنا ورايا لجنة تقييم الصبح، والمكان هنا مبقاش يناسب سياستي.”
في ركن خافت الإضاءة من الجناح الفاخر، كان قاعد “حازم”، ماسك موبايله وعينه بتابع خطوات ياسين وهو خارج ببروده المعتاد. حازم لمس الشاشة بابتسامة باهتة مليانة غموض، وبأصابع سريعة كتب رسالة لشخص مجهول، مش متسجل باسم على الموبايل، مجرد رقم وبس:
“البلبل كان هيطير من القفص الليلة.. بس درعه لسه ناشف زي ما اتعود. خرج ومغلطش.. متقلقش، كله تحت السيطرة.”
قفل حازم الموبايل وحطه في جيبه وهو بيبتسم بثقة، كأنه رمى أول خيط في شبكة معقدة، لسه ملامحها مستخبية في الضلمة..
**********
في شقة واسعة بحي المعادي، الشمس كانت بتقتحم الشبابيك الخشبية الطويلة، مش بس عشان تنور المكان، دي كانت جاية تشهد على “المعمعة” اليومية اللي بتبدأ فيها حياة ليلى. الصباح مش بيبدأ بمنبه، بل بـ “سمفونية” عائلية. الشقة كانت عبارة عن متحف حي؛ لوحات لسه مكملتش مسنودة على الحيطان، ريحة زيت الألوان مختلطة بريحة القهوة بالهيل اللي بتبخ بخارها في الصالة، وصوت “فيروز” اللي بيحاول يغطي على خناق الصباح المعتاد.
ليلى كانت واقفة في نص “جاليري” صغير قلبته لمطبخ أو العكس، مش هتفرق كتير. لابسة قميص أبيض واسع، باين عليه آثار بقع أزرق سماوي وأصفر كناري، وشعرها مرفوع بـ “بنسة” مهزوزة وقلم رصاص، كأنها بتحاول تلملم خيالها اللي ملوش آخر.
زياد بشقاوة وهو بيمد إيده يخطف حتة جبنة رومي من قدامها: “يا لولو ارحمينا، البيت بقى عامل زي علبة ألوان (باستيل) مفتوحة! إيه يا بنتي اللوحة دي؟ دي ديكور مطعم ولا خريطة الكنز المفقود؟”
ليلى صرخت بمرح وهي بتبعد إيده بفرشة الألوان: “زياد! قسماً بالله لو لمست الجبنة دي لآخد وشك ده ‘كانفاس’ وأدهنه أزرق قطيفة.. دي عينة لديكور مطعم ‘ريستو’، والعميل طالب درجة (التركواز) اللي في خيالي مش اللي في التلاجة.. ابعد يا دكتور إعلام المستقبل بدل ما أطلع فيك مواهبي!”
زياد ضحك وهو بياكل الجبنة: “يا فنانة، الجمهور عايز يأكل مش يتفرج على حوائط.. وبعدين إيه التوتر ده؟ ده إنتي النهاردة هتقابلي لجنة تقييم، مش رايحة تقابلي (بيكاسو)!”
فجأة، الباب اتفتح بهيبة خلت زياد يقف “انتباه” لا إرادي. دخل يوسف ببدلته الميري السوداء، النجوم على كتفه بتلمع زي أمل ليلى في اليوم ده. وقع خطواته على الخشب كان له رنة “عسكرية” بس فيها حنية أخ كبير.
يوسف وهو بيقلع الكاب وبيمسح على راس ليلى بقوة: “سيب الواد يا ليلى، وركزي في اللي جاي. اللي يقف قدامك النهاردة، حطي في عينه إن وراكي تلات رجالة يهدوا جبال.. لو حد ضايقك في اللجنة، اديني رنة، وأنا أعمله (تحرّي) عن ضميره المهني اللي غايب ده.”
ليلى بضحكة صافية وهي بتعدل له الكرافتة: “يا جو، إحنا رايحين نعرض ديكور، مش نقتحم وكر عصابة! بس كلامك بيخليني أحس إن القاعة كلها ملكي.”
في اللحظة دي، دخل عمر وهو لابس نضارته الطبية، ماسك شنطته الجلد وساعته في إيده كأنه بيحسب نبض الوقت.
عمر (بهدوء الجراحين): “التركيز يا ليلى.. الهجوم هو خير وسيلة للدفاع. لو حد انتقد خيالك، اضربيه بمنطق الثقة. إنتي عارفة إن ‘الأدرينالين’ العالي بيخلي الواحد يبدع، بس لو زاد بيقلب بتوتر.. خدي نفس عميق، وكوني مشرط بيقطع في قناعاتهم القديمة.”
ليلى (بتنهيدة): “جراح، وظابط، وبتاع إعلام.. أنا ناقصني أفتح وزارة دفاع في الأوضة دي!”
زياد مسك موبايله وعمال يلف حوالين ليلى وهي بتلم لوحاتها: “بقولك إيه يا لولو.. سيبك من اللوحات والخشب اللي شايلة همهم دول، تعالي هنا ثانية واحدة.. أنا جاتلي فكرة (تريند) هتكسر مصر، وهتخلي لجنة التقييم دي تجري وراكِ بالبشلة!”
ليلى وهي بتنفخ خصلة شعر نزلت على عينها ومنخمشة في الشنطة: “زياد، وحياة أغلى حاجة عندك ابعد عني دلوقتي.. أنا مش طايقة نفسي، واللوحة دي لو اتخدشت هعمل منك لوحه وأعلقك في الصالة.”
زياد بإصرار: “يا بنتي اسمعي بس! هنعمل فيديو تيك توك سريع.. إنتي واقفة بالألوان ولابسة القميص اللي عليه بقع ده، وأنا أعمل (إيديت) جامد، ونحط أغنية ‘أنا بعشق البحر’ بس ريمكس سريع.. ونكتب فوق: ‘أقوى مهندسة ديكور في المجرة وهي رايحة تقصف جبهة المحللين الماليين’.. تخيلي الـ Views يا ليلى! ده إنتي هتروحي اللجنة والناس بتقولك (يا فنانة) قبل ما تفتحي بوقك.”




