
ليلى وقفت وبصتله بذهول مضحك: “تيك توك يا زياد؟ ده أنا رايحة أقابل ‘ياسين السلحدار’.. إنت عارف يعني إيه السلحدار؟ ده بني آدم عبارة عن (جدول إكسيل) ماشي على رجلين! ده لو شافني بعمل (تريند) هيطردني من الدور الرابع ويشطب اسمي من نقابة المهندسين ومن شهادة ميلادي كمان!”
زياد بضحكة: “يا بنتي ما هو ده الذكاء! نكسر الجمود ده بشوية (Vibes) فرفشة.. وبعدين إيه السلحدار ده؟ ده آخره نطلعله ‘لايف’ ونخليه يكبس معانا.. يالا يا لولو، قولي: ‘أنا ليلى المنصوري وبقولكم الألوان هي الحياة’.. واعملي حركة بإيدك كدة.”
ليلى (ضحكت غصب عنها وهي بتزقه بعيد): “والله إنت فايق ورايق.. يا حبيبي روح اعمل فيديوهاتك دي مع صحابك في الجامعة، أنا ورايا ‘موقعة حربية’.. وبعدين أنا برستيجي كفنانة ‘أندرجراوند’ ميسمحليش أرقص على التيك توك قبل ما أخد الموافقة على المشروع.. ابعد يا دكتور إعلام النكسة!”
يوسف بصوته الجهوري وهو داخل: “فيه إيه يا ولد إنت وهي؟ زياد.. سيب أختك تركز، مش ناقصين شغل العيال بتاعك ده.. ليلى، لو الواد ده ضايقك قوليلي وأنا أعمله (محضر) إزعاج سلطات في نص الصالة هنا.”
زياد (بيربع إيده بتمثيل الحزن): “ماشي يا حضرة الظابط.. بكره لما ليلى تبقى أشهر من (هند صبري) في الديكور وتتطلب في البرامج، مش هخليها تعمل انترفيو غير معايا.. وساعتها ‘التيك توك’ بتاعي هو اللي هيدخلها التاريخ!”
ليلى (وهي بتحدفه بفرشة ألوان فاضية): “يا زياد يا حبيبي، وفر طاقتك دي.. روح اعمل فيديو لـ ‘ساندوتشات الجبنة’ اللي بتخلصها، بدل ما إنت فالح في ديكورات الناس.. يالا يا بابا على جامعتك! تيك توك إيه يا روح ماما؟ أنا ‘ليلى المنصوري’.. مشروعاتي بتتبني على الأرض مش بـ ‘لايكات’ وهمية.. روح ذاكر يا بتاع الإعلام، وبطل تشتت عبقريتي!”
قطع كلامهم دخول الأب، الدكتور (برهان)، أستاذ الفلسفة اللي كان ماشي بوقار وهدوء، شايل في إيده كتاب “أفلاطون” وفوق وشه ابتسامة بتطبطب على الروح.
برهان وهو بيقبل راس ليلى: “يا ابنتي، أنتِ لا تبيعين أثاثاً ولا تختارين ألواناً للمقاعد.. أنتِ تبيعين (الس\كينة). الناس بتهرب من دوشة الدنيا عشان تسكن في حتة مريحة، اذهبي وأريهم كيف يسكن الروح في الحجر.. كوني الفلسفة اللي ورا الشكل.”
أما هدى، “ست الكل”، فكانت جاية من المطبخ شايلة علبة بلاستيك فيها “سندوتشات” ملفوفة بعناية، وصوتها الحازم الحنين بيملى المكان.
الأم: “فلسفة إيه بس يا دكتور برهان! البنت لازم تفطر.. المحارب مبيحاربش وهو جعان يا لولو. خدي الشنطة دي، ولو حد ضايقك هناك قوليلي، أجيلك بالمسطرة بتاعة المدرسة أعلمه الأدب!”
ضحك الكل، وليلى بصت لهم بعين مليانة دموع فرحة. شالت لوحاتها الخشبية، وشنطتها القماش التقيلة، وخرجت وهي حاسة إنها مش ماشية لوحدها.. هي ماشية وجيش كامل ورا ضهرها.
********
في الوقت اللي كان بيت ليلى بيغلي فيه بالحركة والألوان، كانت فيلا ياسين غرقانة في صمت مريب، صمت يخليك تسمع دقات الساعة “الرخامية” اللي على الحيطة كأنها ضربات مطرقة بعد ليلته الصاخبة المبتورة. مفيش ريحة خبيز ولا ضحك مجلجلة؛ المكان ريحته “بخور عود” غالي جداً، بس بارد، يخليك تعطس من كتر ما هو نضيف زيادة عن اللزوم.
ياسين كان واقف قدام مراية طولها بعرض الحيطة في جناحه الخاص. الحوائط كانت متقسمة ورق حائط رمادي غامق، والفرش أسود فحم.. مفيش لون واحد يكسر “الرتابة” دي. ياسين بدأ يلبس قميصه الأبيض الجديد اللي مكوي “نَشَا” لدرجة إن ياقته كانت واقفة زي السيف، مخفياً وراءه أي أثر لليلة الأمس.
مسك رابطة العنق الحرير الرمادية، ملمسها ناعم زي الزجاج بس بارد تحت صوابعه. وهو بيشد العقدة، حس إنها مش “كرافتة”، دي “خِناق” بيطبق على أنفاسه. بص لنفسه في المراية، ملامحه كانت زي المنحوتة؛ مفيش فيها شعرة برا مكانها. لمعة أزرار أكمامه الفضية (الكبك) كانت بتعكس ضوء “التنجستين” البارد، لمعة بتخطف العين بس مفيش فيها “دفا”.
نزل ياسين للأسفل، خطواته على الرخام الإيطالي “الكرارا” كان ليها رنة معدنية منتظمة. على سفرة طويلة تساع عشرين شخص، كان قاعد المهندس “عاصم” في ناحية، والسيدة “نيرة” في الناحية التانية.. المسافة بينهم كانت كفيلة تخلي أي حوار يبقى “رسمي” غصب عنهم.
مفيش أطباق فول ولا جبنة رومي مقرمشة؛ فيه أطباق صيني “بورسلين” بيضاء، فيها بيض مسلوق متقطع بالمللي، وقهوة سوداء “إسبريسو” ريحتها حادة وتفوق الحجر.
عاصم باشا (وهو بيعدل نضارته وباصص في “تابلت” عليه مؤشرات البورصة): “ياسين.. النهاردة لجنة التقييم في مركز الأعمال. عايزك تفتكر إنك ‘مشرط’. أي مشروع فيه ريحة عاطفة أو ‘هواية’، ارفضه فوراً. إحنا بنبني اقتصاد، مش بنرسم لوحات.”
نيرة هانم بصوت هادي زي التلج، وهي بتهز فنجان القهوة: “طبعاً يا عاصم.. ياسين عارف إن اسم ‘السلحدار’ مبيتحطش غير جنب الأرقام اللي بتكسب. يا حبيبي، اهتم بصحتك، بس النجاح هو اللي بيخلي للصحة قيمة. بلاش تضيع وقتك مع ‘الهواة’ اللي فاكرين إن الفن هيجيب فلوس.”
ياسين مكنش بياكل، كان “بيأدي مهمة”. قطم حتة توست محمصة، صوتها مكنش “قرمشة بهجة” زي بيت ليلى، كان صوت انكسار خشب ناشف. شرب القهوة السوداء اللي كانت مرة بزيادة، بس المرارة دي كانت بتفكره بـ “الواقع” اللي والده دايماً بيصدرهوله.
ياسين وهو بيسمع كلام والده، كان باصص لـ “فرافيت” التوست اللي واقعة على المفرش الأبيض الغالي. الفرافيت دي كانت بالنسبة له بتفكروا بانهيار أحلام والده القديمة. حس ببرودة الرخام بتتسحب من رجليه وتطلع لحد ركبه، رغم إنه لابس شراب صوف وجزمة ماركة عالمية، بس “التلج” كان جوه الجدران نفسها.
الجو في الفيلا كان “مُعقم” بزيادة؛ مفيش فيه ذرة تراب، بس مفيش فيه ذرة “نفس”. حتى الستاير الحرير كانت نازلة بتقل بيفكروا بستاير المسرح قبل ما تخلص المسرحية الحزينة. ياسين عدّل وضع شنطته الجلد، اللي ملمسها كان ناعم ومخيف في نفس الوقت، كأنها شايلة “قنبلة” موقوتة من التقارير اللي هتهد أحلام ناس كتير النهاردة.
ياسين كان لسه واقف قدام السفرة، ماسك فنجان القهوة السادة، وعينيه مسمرة في الفراغ، لحد ما صوت والده “عاصم” قطع السكون ده زي خبطة شاكوش قاضي على خشب ناشف. عاصم ساب التابلت من إيده، وبص لياسين بنظرة فيها “خوف” متغطي بـ “قسوة”.
عاصم باشا بنبرة واطية بس حادة كأنها موس: “ياسين.. بصلي هنا. إنت رايح النهاردة ومعاك ختم العيلة. الختم ده مبيتحطش على ورق خسران. فاكر يا ابني لما قولتلك وأنت لسه متخرج إن ‘القلب’ مكانه القفص الصدري مش المكتب؟”
ياسين بصوت رخيم وهادي: “فاكر يا فندم.. القواعد واضحة.”




