روايات وقص

هاله القمر الجزء الاول

عاصم باشا قام من مكانه وبدأ يتمشى في الصالة الواسعة، صوت جزمته على الرخام الإيطالي بيعمل صدى يوجع القلب: “لا يا ياسين.. القواعد مش بس واضحة، القواعد دي ‘دم’. فاكر مشروع ‘المنارة’؟ المشروع اللي ضيعت فيه شقى عمري وصحتي عشان ‘حلم’؟ كنت فاكر إن الألوان والواجهات المبهرة هتشيل المبنى.. كنت غبي، صدقت ‘الفنانين’ اللي حواليا ونسيت أحسب معامل الأمان للتربة، نسيت إن الأرض مابتعترفش بالخيال، بتعترف بالنيوتن والضغط والأرقام.”

قرب من ياسين، وحط إيده على كتفه، بس مكنتش طبطبة حنينة، كانت مسؤولية (بصوت فيه بحة وجع قديم): “يا ياسين.. أنا مش عايزك تدفع الثمن اللي أنا دفعته. الخيال ده ‘مخدر’ بيخليك متشوفش الحفرة اللي تحت رجلك. اليوم اللي المشروع ده انهار فيه، مكنش بس طوب وأسمنت اللي وقع.. ده كان اسم ‘عاصم السلحدار’ هو اللي بيتردم عليه بالتراب. شوفت نظرة الشماتة في عينين المنافسين? شوفت البنوك وهي بتقفل بيبانها في وشي؟ الأرقام يا ياسين.. هي دي ‘الحصن’ الوحيد. الرقم مبيخونش، مبيجاملش، ومبيعرفش يكدب. الأرقام يا ابني هي ‘الأرض الصلبة’. خليك ناشف عشان متتكسرش.. الألوان بتبتدي بضحكة وبتنتهي بدموع، لكن الحسابات بتبتدي بتعب وبتنتهي بأمان. الجدول المالي اللي معاك في الشنطة ده هو ‘درعك’.. اللي يحيد عنه، يغرق، وإحنا عيلة مابتغرقش مرتين.”

ياسين بلع ريقه بصعوبة، وحس إن الكرافتة بتضيق أكتر: “أنا مراجع كل بند يا بابا.. مفيش مليم هيطلع برا الحسابات.”

عاصم باشا بابتسابة صفرا: “عفارم عليك. وعايزك تكون ‘مشرط’ في اللجنة.. أي حد يكلمك عن ‘الروح’ و’الجمال’ و’الاستدامة’ اللي بزيادة، اعرف إنه بيبيع لك الهوا في ازايز. اقطع عليه الطريق فوراً. السوق بره غابة، والديابة اللي فيها بيشموا ريحة ‘العاطفة’ من على بعد ميل.. خليك ‘آلة حاسبة’ بتمشي على الأرض، عشان تفضل واقف على رجلك.”

نيرة هانم دخلت في الحوار وهي بتعدل الساعة الألماظ في إيدها: “عاصم عنده حق يا حبيبي.. إحنا مش ناقصين ‘خساير معنوية’ تاني. النجاح هو الحقيقة الوحيدة اللي الناس بتحترمها. روح يا ياسين، وورينا ‘السلحدار’ الجديد اللي مبيغلطش.”

ياسين قام، عدّل البدلة الرمادية اللي بتخليه يبدو أكبر من سنه وعاشق للغموض. وهو بياخد حقيبته الجلدية السوداء، بص لصورة والده القديمة اللي متعلقة في الردهة.. صورة لوالده وهو شاحب جنب مشروع منهار.

********

دقات قلبه كانت منتظمة جداً، “روبوتية” بشكل يخوف. مفيش فيها دقة توتر ولا دقة فرحة. هو حاسس إنه “درع” بشري؛ البدلة دي هي حصنه، والأرقام هي س\لاحه. بس للحظة، وهو بيبص في مراية المدخل، حس بشعور غريب.. شعور إنه “مخنوق” من المثالية دي، بس بسرعة بلع الشعور ده، ورسم على وشه قناع “البرود” اللي مبيتهزش، وخرج لسيارته الفارهة اللي كانت مستنياه قدام الباب كأنها “نعش” من الرفاهية، السواق فتح له باب العربية المرسيدس السوداء بهدوء مبالغ فيه، كأن الباب بيفتح لمراسم جنازة رسمية. أول ما ياسين قعد، الباب اترزع “هبدة” مكتومة أعلنت انفصاله التام عن العالم.

الهدوء جوه كان “مرعب”، عزل صوتي كامل خلاه يسمع صوت أنفاسه المكتومة، وحتى دقات ساعته “الرولكس” كان ليها صدى في ودنه كأنها عد تنازلي لمهمة انتحارية. سحب نَفَس طويل، وحس إن الهوا اللي طالع من التكييف “ميت”، هوا متفلتر ومحسوب بالدرجة، ملوش علاقة بهوا الشارع اللي بره.

العربية بدأت تتحرك بانسيابية على أسفلت الزمالك. ياسين ساند راسه على القزاز البارد، وباصص للشارع. المدينة قدامه مكنتش “بيوت” فيها ناس بتضحك وتتخانق، كانت عبارة عن “بلوكات أسمنتية” وقيم عقارية.

عينه كانت بتقرأ العمارات كأنها “أصول ثابتة”؛ العمارة دي سعر المتر فيها كذا, والمحل ده عائده السنوي كذا. الزحمة اللي برا، وصوت الكلاكسات اللي واصل له خفيف زي وشّ الراديو، كان شايفها “عطلة” وفوضى بتعطل عجلة الإنتاج. الناس البسيطة اللي بتجري ورا الأوتوبيس، والست اللي بتبيع خضار على الرصيف، والشباب اللي بيضحكوا وهما بياكلوا “سندوتشات” في الشارع.. كل دول كان شايف بينهم وبينه “فجوة” سحيقة. هما عايشين في “دوشة الحياة”، وهو محبوس في “نضافة الأرقام”. حس للحظة إنه غريب عنهم، كأنه كائن من كوكب “المنطق” نزل غلط في وسط “عشوائية البشر”.

وفجأة، وسط جفاف الأرقام ده، لمح طفل صغير على الرصيف، ماسك حتة فحم وبيرسم “شخبطة” على حيطة قديمة. في اللحظة دي، “الشرخ” اللي في روح ياسين وجعه قوي.

*******

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى