
افتكر نفسه وهو عنده 7 سنين، لما كان بيقعد تحت مكتب والده ومعاه علبة ألوان “خشب” هدية من دادة قديمة. كان بيرسم “بيوت طايرة” وشجر أوراقه بنفسجي، كان بيعشق ملمس الورق وهو بيشرب اللون. افتكر يوم ما والده دخل عليه، وشاف الرسمة، وبكل برود قطع الورقة نصين وقاله: “يا ياسين.. المهندس اللي بيبني مباني بجد مبيستعملش ألوان، بيستعمل ‘مسطرة’. الرسم ده للي معندهمش هدف، إحنا بتوع حسابات مش بتوع تخيلات.”
ياسين غمض عينيه بقوة، كأنه بيحاول يطرد ريحة “الألوان الخشب” اللي فاحت في ذاكرته فجأة، وريحة تلك الفتاة الشقراء في الجناح التي حاولت خرق حصونه بالأمس. حس بوجع في صوابع إيده، كأنها لسه “عطشانة” تمسك ريشة بدل القلم الفضي اللي في جيبه. والده مقصّش ريشه وبس، ده حوّله لـ “عداد مالي” بيمشي على رجلين.
فتح عينيه تاني لما العربية وقفت قدام مركز الأعمال اللى والده مكلف بالإشراف على مشاريعه. عدّل الكرافتة اللي خنقته بزيادة، ولبس قناع “ياسين السلحدار” اللي مبيتهزش. نزل من العربية، وخطواته على الرخام كانت “مرسومة” بالمسطرة، رايح يواجه “الأحلام” اللي والده علمه إنها مجرد “ديون مؤجلة”.
********
ليلى دخلت من الباب الرئيسى للمركز وهي شايلة “شيلتها”؛ شنطة قماش ضخمة مطرزة بخيوط ملونة، وطالع منها رول لوحات كأنه ماسورة مدفع فني. كانت ماشية بتخبط في الناس وهي بتعتذر بضحكة صافية، وشعرها المتمرد كان عمال ينزل على عينيها وتنفخه بضيق لذيذ. كانت “كتلة طاقة” ماشية في وسط جمود الموظفين اللي لابسين غوامق.
على الناحية التانية، دخل ياسين المركز بخطوات “مسطرة”.. جزمته بتخبط على الرخام بانتظام “تيك.. تاك.. تيك.. تاك”، كأنها ساعة زمنية ماشية مبيوقفهاش حد. السكرتارية والموظفين كانوا بيوسعوا له الطريق بهيبة، وهو باصص قدامه بجمود، كأنه “رادار” بيمسح المكان بحثاً عن الأخطاء.
ردهة المركز كانت عالم تاني خالص، عالم الرخام الـ “أوف وايت” اللي بيلمع لدرجة إن الواحدة ممكن تشوف خيالها فيه وهي ماشية. كان فيه هدوء غريب ومخيف في نفس الوقت، والرجالة بتوع الأمن واقفين ببدلهم الرسمية السودة، ملامحهم خشب، وحركتهم محسوبة بالمللي، كأنهم تماثيل حارسة لمملكة “المنطق والفلوس”.
ليلى وسط المكان ده كانت عاملة زي “نقطة لون” متمردة وسط لوحة صماء. الشنطة القماش اللي مليانة ألوان، والقميص الأبيض اللي عليه “تاتشات” ألوان فنية، خلوها تبان كأنها غلطة حلوة في سيستم المكان المظبوط. كل اللي كان بيمر بجنبها، سواء موظفين ببدل أو عملاء، كانوا بيبصوا لها باستغرب، كأنهم بيسألوا: “إيه اللي جاب الفن وسط الأرقام دي؟”.
**********
الاثنين وصلوا قدام المصعد في نفس اللحظة. الباب اتفتح، دخل ياسين ووقف في ركن، ودخلت هي..
هي داخلة بشنطتها اللي مليانة خيال، وشعرها اللي طالع منه خصلات متمردة زي أفكارها.. ريحتها ‘ياسمين’ و ‘ألوان زيت’، وطاقتها تملى بلد! وهو واقف زي السيف، ببدلته الرمادي اللي مفيهاش غلطة، و ملامحه اللي كأنها منحوتة من تلج.. ريحته ‘هيبة’ وكلامه كله ‘أرقام’ و ‘منطق’ جاف مبيعرفش يبتسم.
في أضيق مكان ممكن يجمعهم، جوه الأسانسير، خبطت ‘فوضى الألوان’ في ‘جمود الحسابات’.. هي شايفة فيه ‘رجل آلي’ محتاج شوية حياة، وهو شايف فيها ‘إعصار’ جاي يهد حصونه المنظمة.
ليلى شنطتها خبطت في كتفه وهي بتعدل وضعها. الباب اتقفل، والمساحة بقت ضيقة جداً.. ضيق “يخنق” ياسين اللي بيقدس المساحات الشخصية، و”يوتر” ليلى اللي حست فجأة إنها محبوسة مع “تمثال” من التلج.
الجو جوه المصعد كان عبارة عن “خناقة روايح”. ريحة عطر ياسين “الحادة”، اللي فيها لمحة خشب وصندل جاف، كانت بتصطدم بريحة ليلى اللي كانت مزيج غريب من ريحة “الورد البلدي” مع ريحة “ألوان الزيت” النفاذة. ريحتها كانت “حياة”، وريحته كانت “أرقام”.
ليلى بصت له بطرف عينها، لقت واحد ملامحه مرسومة ببرود يخوف، حبت تكسر “التلج” اللي مالي المكان بضحكة خفيفة. ليلى (وهي بتنهج بابتسامة): “أُف.. الزحمة النهاردة صعبة قوي، والواحد حاسس إنه شايل جبل على كتافه. حضرتك طالع الدور الرابع برضه؟ لجنة التقييم؟”
ياسين مالتفتش ليها حتى، فضل باصص للأرقام اللي بتنور فوق باب المصعد، ورد بصوت رخيم طالع من أعماق الجمود: “نعم.”
ليلى رفعت حاجبها بابتسامة صامدة: “أنا ليلى، مصممة ديكور.. وجاية أعرض مشروع ‘الروح والألوان’. وحضرتك؟”
هنا، ياسين لف وشه ببطء، ونظر لها نظرة “جانبية” باردة، نظرة فاحصة كأنه بيراجع بند في ميزانية خسرانة. ياسين (بجمود يقطع النفس): “ياسين السلحدار.. المحلل المالي المسؤول عن مراجعة (جدوى) الأوهام اللي هتُطرح اليوم.”
كلمة “أوهام” نزلت على ليلى كأنها قلم على الوش. الود اللي كان في عينيها اتبخر فجأة، وحل محله “شرارة” تحدي. ليلى وقفت “انتباه”، ورفعت راسها بكلمة مرشوقة زي السهم. ليلى (بنبرة فيها سخرية ذكية): “أوهام؟ تقصد أحلام يا بشمهندس. بس باين من البدلة الرمادي الكئيبة دي إنك محتاج شوية ألوان في حياتك.. الرمادي ده لون الناس اللي خايفة تختار، مش الناس اللي بتبني.”
ياسين عينه لمعت بغضب مكتوم، وعدّل رابطة عنقه بقوة كأنه بيفك الخناق اللي كلامها عمله، ورد ببرود آلي: “الرمادي لون الحياد والتركيز، عكس (الفوضى) اللي شيلاها in شنطتك.. واتمنى متكونش الفوضى دي في عقلك كمان، لأن السوق مبيصرفش شيكات بـ (الأحلام).”
وكمل ببرود وهو بيبص لساعة إيده: “فاضل دقيقة وتدخلي اللجنة.. أنصحك تلمي أوراقك، لأن التقرير اللي في إيدي دلوقتي هيحول أحلامك لـ ‘ملفات أرشيف’.”
ليلى بصت لإنعكاسه في باب المصعد، وبابتسامة متحدية: “معاك حق يا بشمهندس.. بس مكنتش أعرف إن ‘السلحدار’ بيخاف من الورق لدرجة إنه بيحاول يهدّمه قبل ما يتقرأ.”
ياسين التفت لها ببطء، بنظرة باردة: “أنا مش بخاف.. أنا بختصر الوقت. العالم مبيحتاجش ‘فنانين’ يلونوا الجدران، بيحتاج ‘مهندسين’ يعرفوا الحيطة دي هتوقع إمتى.”
ليلى قربت خطوة، ريحة ياسمين خفيفة بتنتشر: “واللي بيعرف يوقع الحيطة، ممكن يعرف يبني مكانها قصر.. لو بس شال النضارة السودا دي وشاف الفرق.”
*******
أول ما المصعد اتحرك، ليلى حست بضغط الجاذبية بيزيد عليها، وكأن المكان نفسه رافض وجود “الفوضى” بتاعتها. بصت في مراية المصعد، وشافت انعكاس صورتها وصورته.. كان مشهد غريب! هو واقف في الركن، مفرود ومشدود زي “عمود حديد” محطوط in أساسات مبنى، وهي واقفة جنبه، بتميل بجسمها وحقيبتها، كأنها “شجرة ورد” بيحركها هوا خفيف في وسط جبل صخر.
في اللحظة دي، ياسين كان بيشم ريحة غريبة.. ريحة ياسمين وألوان زيت، ريحة خلت “جدار المنطق” اللي بناه في عقله يهتز. فجأة، وبدون مقدمات، عقله رجع بيه لورا.. لذكرى قديمة ومنسية. ريحة الورد دي خلت صورته وهو طفل، قاعد على الأرض بيحاول يلون ورقة والده، تظهر قدامه بوضوح.. واصطدمت بالذكرى المبتورة للأمس؛ كيف استطاعت هذه الفتاة بكلمات بسيطة وعفوية وريحة ياسمين أن تخترق درعه الذي عجزت عنه نساء الأمس؟
ليه الريحة دي بالذات فتحت “الجرح” اللي قفله سنين؟ ليه الكلام اللي كانت بتقوله عن “الأحلام” صدى في دماغه زي دقات الجرس؟ حاول ياسين يطرد الفكرة، ويشد “عقدة الكرافتة” عشان يتنفس، بس إحساس إن “الحصن الرمادي” بتاعه اتخرم كان مسيطر عليه.
“تن”.. المصعد وصل. الباب اتفتح، وياسين خرج “زي الطلقة”، خطواته سريعة ومنظمة كأنه بيهرب من عينيها المتحدية ومن رائحة الياسمين اللى لازقت فى هدومه و أعلنت الحرب رسميًا على جداول إكسيل الخاصة به.
، تاركاً ليلى واقفة وراه في حالة ذهول وغضب من غلاستة. ليلى مكنتش متخيلة إن “الرجل الآلي” اللي واقف قدامها ده، هو اللي في إيده “مفاتيح حلمها” وقراره هو اللي هيحدد إذا كان مشروعها هيكمل ولا هيتدفن في أدراج الشركة.
بينما هو، ولأول مرة من سنين طويلة، شعر إن ريحة الياسمين والألوان دي اخترقت حصونه الرمادية، وبدأت تعمل “تصدعات” في حياته اللي كلها حسابات. قبل ما يدخل قاعة الاجتماعات، التفت خلفه لثانية واحدة، وشاف طيفها وهي واقفة بتبرطم بضيق وبتقول بصوت واطي: “يا ساتر.. ده بني آدم ده ولا آلة حاسبة ببدلة؟”
في اللحظة دي، ياسين ابتسم.. بس دي مكنتش ابتسامة بانت على وشه، كانت ابتسامة مستخبية جوه “أعماق قلبه”، ابتسامة خايفة من اللي جاي، وخايفة من إنه يبدأ يشوف العالم بلون تاني غير الرمادي.
***************
ليلى وقفت قدام الباب الخشب الضخم، وخدت نَفَس عميق كأنها بتستعد لغطسة في بحر ملوش قرار. وقبل ما تمد إيدها على المقرة، سمعت صوت “تكة” الكاميرا اللي حفظت ملامحها في لحظة الرهبة دي.
سارة (من وراها بضحكة): “وشك طالع دراما يجنن يا فنانة.. يالا، ‘الألوان’ مستنية تكسر ‘الرمادي’ اللي جوه. الحرب بدأت!”
ليلى ابتسمت لصديقتها، وفتحت الباب.. وفي اللحظة اللي عينيها جت في عين ياسين اللي كان مستنيها ببروده المعتاد، انتهى الكلام، وبدأ فصل جديد من صراع مش محسوم…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




