روايات وقص

مسكت الملف الاسود

مسكت الملف الأسود بين إيديا، الملمس الجلد الناعم كان دافي، بعكس البرودة اللي سرت في جسمي فجأة. بصيت لأبويا اللي كان وشه أصفر زي الليمونة، وقطرات العرق نازلة من جبهته بتلمع تحت شمس الشرم. أمي كانت ساندة إيدها على الترابيزة، صوابعها بترتعش وكأس العصير اللي قدامها اتهز، وصوت الخبط الخفيف بين الزجاج والطبق الرخام كان الصوت الوحيد اللي كاسر الصمت الميت اللي خيم على المكان.

 

شهد جوزها كان واقف جنبها زي الصنم، رأفت المليجي من شركة العز مستني رد فعل، ومريم واقفة جنبي زي السيف، مستنية إشارتي.

فتحت الصفحات الأولى ببطء. العبارات كانت واضحة، مكتوبة بخط يد جدتي “فاطمة” بالجرأة والوضوح اللي كنت دايماً بعرفهم فيها. بس الكلام اللي تحت الإمضاء.. كان كفيل إنه يقلب حياتي وحياة العيلة دي رأساً على عقب.

“أنا الموقعة أدناه، فاطمة عبد الرحمن الجبالي، أقر وأنا بكامل قواي العقلية، بأن كامل أصول وممتلكات مجموعة ‘مودا نيو’، بما فيها الفروع، الأراضي، والحسابات البنكية المربوطة باسم الشركة، هي ملك خالص لحفيدتي ‘سارة رضا الجبالي’..”

غمضت عيني لحظة، وبعدين كملت قراءة بصوت واطي بس مسموع لكل اللي واقفين:

“..وأن التصرفات التي تمت في عام 2012 من قِبل نجلي ‘رضا’ وزوجته ‘ماجدة’، بنقل ملكية الأسهم وصناديق الاستثمار الخاصة بوالد سارة المتوفى إلى حسابهما الشخصي، تمت عن طريق التزوير واستغلال التوكيل العام الملغى تاريخياً.”

سكت. الريح الخفيفة اللي جاية من البحر حركت طرف الورقة.

أبويا أخد نفس مكسور، وقال بصوت مكتوم وهو بيحاول يمسك بقايا كبرياؤه: “الكلام ده ملوش أي أساس من الصحة! دي هرتلة ست كبيرة قبل ما تموت! جدتك في آخر أيامها كانت بتخرف، وأنتِ عارفة كده كويس يا سارة!”

“بتخرف؟” رديت بنبرة أهدى من المية، بس فيها سم يقتل. بصيت لأمي اللي كانت بتبص للأرض ومش قادرة تحط عينها في عيني. “جدتي لما كتبت الكلام ده، كانت حاسبة كل قرش. كانت عارفة إن فلوس أبويا الحقيقي.. الفلوس اللي سابها لي قبل ما يموت وأنا عندي عشر سنين.. أنت وأمي أكلتوها.”

شهد بصت لأبوها وأمها بذهول، عينيها رايحة جاية بينهم وبين الملف اللي في إيدي. “بابا.. هو بيقولوا إيه؟ فلوس مين؟ سارة بتتكلم عن إيه؟”

ما حدش رد عليها.

أنا كنت فاكرة طول عمري إن ‘رضا’ هو أبويا الحقيقي. كنت فاكرة إنه بيعاملني بقسوة وبيفضل شهد عليا عشان هي الشاطرة وجميلة وأنا العادية. بس لما تميت 25 سنة، وجدتي كانت على فراش الموت، لمحت لي بكلام ما فهمتوش ساعتها.. قالتلي: “حقك مش هيضيع يا سارة، أنا أمنتك، بس متفتحيش الورق إلا لما تبقي قوية كفاية عشان تقفي قدامهم.”

النهارده.. أنا بقيت قوية كفاية. بل قوية أكتير من اللاتزم.

أبويا لمس طراف الترابيزة، وقال بصوت حاد بحشرجة: “أنا اللي ربيتك! أنا اللي كبرتك وأكلتك وشربتك! لو كنت أخدت أسرهم ولا فلوس، فده كان مقابل التعب والمصاريف اللي صرفتها عليكِ لما أخويا مات وسابك حتة لحمة حمرا! أنتِ وياها كنتوا عالة عليا!”

“عالة؟” ضحكت.. ضحكة قصيرة مفيهاش أي فرحة. “أبويا المرحوم سابلي أرض في التجمع، وخمسة مليون جنيه في البنك سنة 2002. أنت أخدت الأرض دي، بعتها، وبنيت بيها الفيلا اللي شهد عايشة فيها دلوقتي.. واستخدمت الفلوس عشان تدخل شهد المدارس الـ international، وتشتريلها الغوايش الألماظ اللي لابساها في إيدها دي!”

شهد شهقت ورفعت إيدها بسرعة كأن الغوايش بقت جمر نار: “بابا! الكلام ده صح؟! الفيلا دي مش من عرقك؟ أنت قلتلي إنك عملت ثروتك من شغلك في الخليج!”

أبويا صرخ فيها: “اسكتي أنتِ خالص! ما تفتحيش بقك!”

رأفت المليجي، راجل المراجعة والنزاهة، اتنحنح بذكاء وقال بصوت هادي: “سارة هانم.. الأوراق دي مش بس بتثبت التزوير، دي بتثبت إن الترقيات والعقود اللي أخدها الأستاذ حسام، كانت مبنية على أصول مالية مشبوهة، ومغسولة من خلال شركات صورية مسجلة باسم الأستاذ رضا والأستاذة ماجدة.”

حسام جوز شهد وش وشه باهت تماماً، وقع على الكرسي كأنه جيلاتين. “أنا ماليش دعوة! أنا عمي رضا هو اللي قال لي أكتب في الـ CV إننا بنمتلك أصول في ‘إكسبريس لوجستيك’! هو اللي قال لي إن سارة مجرد واجهة وإنه هو المالك الحقيقي من تحت لتحت!”

بصيت لحسام بقرف. “أنت كنت عارف إنهم بياكلوا حقي، وحبيت تأكل معاهم التورتة.. فاكر لما جيت لي من سنتين عشان أوقع لك على عقد شحن لمصنعك الصغير وقلت لي ‘يا سارة اعملي معروف اعتبريها خدمة لعيلتك’؟ أنا وقتها رفضت لأن أوراقك كانت مغلوطة، وأنت رحت لشهد وقلت لها ‘سارة غيورة ومش حابة تشوفنا ناجحين’.”

شهد بدأت تعيط، الدموع نزلت بوظت المكياج التقيل اللي على وشها. “سارة.. أرجوكي.. احنا إخوات..”

“إخوات؟” قربت منها، ودست على كل كلمة: “الإخوات ما بيضحكوش على بعض قدام الغرباء.. الإخوات ما بيقولوش على بعض ‘دي أغبى من إنها تفهم في البيزنس’ عشان يرضوا غرورهم المريض على الفطار! أنتِ من صغرك وأنتِ شايفة نفسك أحسن مني، وأبوكي وأمك غزو جواكي الفكرة دي عشان يغطوا على جريمتهم! سرقوا حقي وأدوهولك على طبق من دهب، وأنتِ أخدتيه ودستي بيه عليا!”

أمي قامت من مكانها، ومسكت إيدي بتوسل، أيديها كانت ساقعة زي الثلج: “سارة.. يا بنتي.. يا حبيبتي.. مسامحة؟ الدنيا مش مستاهلة، ده احنا أهلك.. سترنا عليكِ وأنتِ يتيمة..”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى