روايات وقص

حسين مسك القلم

حسين مسك القلم وبدأ يقلد توقيعي بتركيز وهو بيحبس أنفاسه، وأمه واقفة فوق راسه بتبص للورقة كأنها بتشوف كنز “علي بابا” بيتفتح قدامها. في اللحظة دي، أنا كنت بعد الثواني.. واحد.. اتنين.. تلاتة. فجأة، صوت “تكة” خفيفة جداً طلعت من التليفون اللي في جزمتي، بس هما مسمعوش حاجة من كتر لهفتهم. حسين خلص الورقة الأخيرة ورمى القلم بانتصار: “خلاص يا ست الكل، مهران باشا الله يرحمه بنته دلوقتي بقت على الحديدة، والمستشفيات والفيلا والعربيات.. كله بقى باسم (مجموعة حسين وأمه للاستثمارات).”

 

ثريا ضحكت بقهقهة مكتومة وهي بتمسح على وشي بضوافرها الطويلة: “نوم الهنا يا عروسة، بكره لما تصحي هفهمك إن الجواز مش بس فستان أبيض، الجواز شطارة.. وأنتي طلعتي خايبة.”

أول ما لفت ضهرها عشان تخرج، قعدت على السرير بمنتهى الهدوء.

“بس الشطارة يا حماتي إنك تختاري حد مبيعرفش يقرأ ويwrite (يكتب) كويس.. وحسين خطه في التزوير وحش أوي.”

الصدمة كانت كفيلة تخلي حسين يقع من على الكرسي. لفوا الاتنين ليا ورقابهم كأنها هتتكسر. ملامحهم اتخطفت، الوان وشوشهم هربت وبقوا زي التماثيل. حسين بلع ريقه وصوته طلع مهزوز: “سلمى؟ أنتي.. أنتي فوقتي إمتى؟”

قمت وقفت ببطء، قلعت الطرحة اللي كانت مضايقاني ورميتها على الأرض، وبكل برود رحت للتسريحة، طلعت منديل ومسحت الروج: “أنا ممتش أصلاً عشان أفوق يا حسين. وبعدين العصير اللي أمك “ثريا هانم” حطت فيه المنوم، أنا دلقته في الفازة اللي ورا الستارة وأنا بعمل نفسي بتفرج على النجوم.”

ثريا استعادت جبروتها بسرعة وحطت إيدها في وسطها: “طب كويس إنك وفرتي علينا وقت الشرح. الورق اتمضى يا قطة، والقانون لا يحمي المغفلين، وأنتي دلوقتي ملكيش لقمة في البيت ده، اطلعي بره بكرامتك بدل ما أرميكي بهدوم بيتك في الشارع.”

ضحكت ضحكة رنت في الأوضة كلها: “قانون؟ أنتي بتتكلمي عن القانون يا طنط؟ طب بصي وراكي كدة.”

الباب خبط تلات خبطات قوية، ودخل المحامي بتاعي “متر عادل” ومعاه تلاتة من رجال الأمن بتوع والدي، وفي إيد المحامي “تابلت” شغال عليه فيديو.

عادل دخل وبكل أدب قال: “مساء الخير يا جماعة، مبروك يا حسين بيه، بس للأسف التزوير اللي عملته ده جناية، والاعتراف اللي سجلناه صوت وصورة في الـ 20 دقيقة اللي فاتوا كفيل يوديكم ورا الشمس.”

حسين وشه بقى زي الورقة البيضا، وبدأ يتلعثم: “تسجيل إيه؟ وكاميرات إيه؟ أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟”

فتحت الموبايل ووريتهم البث المباشر. الكاميرا كانت جايبة زاوية الأوضة كلها، وصوتهم وهم بيخططوا وبيتكلموا عن “البنت اليتيمة” و”الملاك الهبلة” كان أوضح من الشمس.

قلت له ببرود: “أنا مش “سلمى” الهبلة يا حسين. أنا سلمى مهران، اللي كانت بتدير حسابات المستشفى وأنت لسه بتدور على بدلة تقابلني بيها. أنا كنت شاكة فيك من يوم ما شوفتك بتسأل عن أسهم “مجموعة مهران” أكتر ما بتسأل عني، فقلت أعمل لك اختبار أخير ليلة الدخلة.. وطلعت “ساقط” بامتياز.”

ثريا هجمت عليا وهي بتصوت: “أنتي فاكرة نفسك مين؟ الورق ده هيتحرق وهنقول إنك كنتي في حالة نفسية وبتهلوسي!”

قبل ما تلمسني، واحد من الأمن مسك إيدها، والمحامي عادل كمل كلامه: “الورق اللي حسين مضاه ده أصلاً “ورق أبيض” مموه بمادة بتختفي بعد 10 دقايق، والورق الأصلي اللي كان فاكر إنه بيمضيه هو اعتراف كامل بكل الديون اللي عليه للمجموعة، وتنازل عن المهر والمؤخر وكل مليم خده من سلمى هانم تحت مسمى “تجهيز عش الزوجية”.”

حسين قعد على الأرض، حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط زي العيال الصغيرة: “سلمى، أنا كنت مجبور، أمي هي اللي ضغطت عليا، أنا بحبك والله!”

بصيت له بقرف: “الحب مبيتحطش فيه منوم يا حسين. الحب مبيزورش توقيع. أنت وأمك مش بس خسرتوا الفلوس، أنتم خسرتوا حريتكم.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى