روايات وقص

بدأ تابوت يتارجح

بدأ التابوت يتأرجح فوق أكتاف الرجال، ورجب من الداخل بيحس بكل هزة كأنها مسمار جديد بيتدق في نعشه. الصوت بره بدأ يبعد، ووشوشات الناس اختفت، ومحلها جه صوت محرك العربية “الاستيشن” اللي هتنقله للمحرقة. كان سامع صوت “ولاء” وهي بتدي تعليمات للسواق بصوت واطي وحازم: “اطلع على طول، مش عايزين تأخير، الطريق زحمة ومش عايزة الساعة تيجي سبعة وهو لسه معانا”.

 

رجب كان بيحاول بكل قوته يصرخ، يرفس، يخرج حتى نفس واحد مسموع، بس جسمه كان في حالة “تجميد” غريبة، كأن المادة اللي شربها في السحلب فصلت الكهرباء عن عضلاته وسابت مخه شغال عشان يتعذب باللي بيسمعه.

في نفس الوقت، كان “محمود” واصل المعمل عند “نهى” وهو بينهج، وشه كان مخطوف وعرقه مغرق قميصه. نهى خدت منه القطارة وبدأت تفحصها تحت الميكروسكوب وهي مستغربة من توتره:

“اهدى يا محمود، قولي بس إيه المادة دي وأنت شاكك في إيه؟”

“دي مادة لقتها في زبالة بيت أخويا، أخويا اللي بيتحركوا بيه دلوقتي عشان يتحرق! نهى، رجب مكنش مريض، رجب كان بيتسمم بالبطيء، والقطارة دي هي السر.”

نهى وشها اتغير وهي بتبص على الجهاز:

“محمود.. المادة دي مش سم بيموت، دي مادة كيميائية نادرة بتعمل حاجة اسمها ‘الموت الظاهري’. بتنزل نبض القلب لدرجة إن أجدع دكتور ما يحسش بيه، وبتشل الأعصاب الإرادية تماماً.. اللي يشوفه يحلف إنه ميت، بس هو بيبقى واعي لكل حاجة بتحصل حواليه!”

محمود اتنفض وكأن كهربا ضربته:

“يعني رجب عايش؟! يعني هما رايحين يحرقوا واحد صاحي؟!”

“قدامك أقل من ساعة يا محمود، المادة دي مفعولها بيبدأ يروح تدريجياً، بس لو وصل للمحرقة قبل ما يفوق.. مش هيبقى فيه رجب.”

العربية كانت ماشية في طريق السويس، ورجب جوه الظلمة بدأ يحس بحاجة غريبة.. صباع رجليه الصغير بدأ “ينمل”. نغزة بسيطة بس كانت بالنسبة له أمل بالحياة. بدأ يركز كل ذرة في عقله إنه يحرك الصباع ده. “يا رب.. يا رب قوة من عندك”، كان بيقولها جوه قلبه وهو بيسمع تامر وهو بيضحك بره مع ولاء في العربية:

“خلاص يا لولو، كلها نص ساعة والورق كله يبقى في جيبنا، الورشة والشقة والرصيد اللي في البنك.. رجب تعب كتير وآن الأوان يرتاح.”

“تفتكر محمود ممكن يوصل لحاجة؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى