روايات وقص

بدأ تابوت يتارجح

“محمود ده أخره يزعق كلمتين، زمانه دلوقتي قاعد بيعيط في بيت أمه، المهم نخلص من الجثة والرماد يترمي، ومحدش هيعرف يثبت حاجة.”

رجب سمع كلمة “رماد” وجسمه اتنفض انتفاضة داخلية مسمعهاش حد غيره. بدأ يحس بلسانه بيتقل في بقه، وبدأ يشم ريحة غاز ودخان.. وصلوا المحرقة.

محمود كان بيسوق عربيته كأنه في سباق فورمولا، بيمشي عكس السير، بيطلع فوق الرصيف، وبيكلم “تامر” صاحبه الضابط في التليفون:

“يا تامر، المحرقة اللي في طريق السويس، اتحرك بقوة دلوقتي، فيه جريمة قتل عمد هتتنفذ باسم القانون، أخويا عايش جوه التابوت!”

في المحرقة، العمال بدأوا يسحبوا النعش من العربية. الجو كان برد وهدوء، مفيش غير صوت المكن اللي بيزن بانتظام مرعب. ولاء كانت واقفة، لابسة النضارة السوداء ومربعة إيدها، بتبص للساعة.. 6:45.

“يلا يا رجالة، خلصونا، ورانا مشاغل.”

العمال حطوا التابوت على السير المعدني اللي بيدخله جوه الفرن. رجب كان سامع صوت التروس وهي بتتحرك.. “تيك.. تيك.. تيك”. السير بدأ يتحرك ببطء ناحية الباب الحديدي اللي بيطلع منه لهب أحمر بياكل أي حاجة تدخل فيه. رجب بدأ يحس بالحرارة بتلسع خشب التابوت.. الحرارة بدأت تخترق الصندوق وتوصل لجلده.

فجأة، رجب فتح عينيه!

كانت الرؤية مهزوزة، والضلمة محاوطاه، بس لقى إيده بدأت تستجيب. رفع إيده وضغط على سقف التابوت بكل قوته، بس المسامير كانت قوية. بدأ يصرخ، بس صوته طلع “حشرجة” ضعيفة مسموعة بصعوبة وسط دوشة المكن.

محمود وصل لبوابة المحرقة، العربية فرملت لدرجة إن الكاوتش طلع دخان. نزل وجرى على الداخل وهو بيزعق: “وقفوا الفرن! أخويا عايش! وقفوا المهزلة دي!”

أمن المحرقة حاولوا يمسكوه، وولاء شافت محمود واتجننت: “أنت مجنون؟ ده حرمة ميت! شيلوه من هنا!”

في اللحظة دي، السير كان وصل لآخره، والنص الأمامي من التابوت دخل فعلاً جوه بوابة النار.

رجب جوه حس إن شعره بدأ يشيط، والنار بدأت تأكل في الخشب من ناحية رجليه. صرخ صرخة مكتومة وضرب بكل قوته في سقف النعش.. “بوم!”.

الصوت كان عالي لدرجة إن العمال وقفوا مذهولين. “النعش بيتحرك!” صرخ واحد من العمال وهو بيرجع لورا من الرعب.

محمود استغل صدمتهم وزق الكل وجرى على لوحة التحكم، شد دراع الطوارئ، السير وقف والتابوت نص بره ونص جوه النار.

ولاء وشها بقى لونه أزرق، وتامر المدرب حاول يهرب، بس لقى البوكسات محاصرة المكان وصوت السرينة بيملا الفراغ.

محمود جرى على التابوت، وبدأ يخلع المسامير بضوافره وبحديدة لقاها جنبه، وهو بيصرخ: “رجب! رد عليا يا رجب!”

أول ما الغطاء اتفتح، انبعث منه دخان ريحته وحشة، وطلع رجب.. وشه كان غرقان عرق، وعينيه محمرة من الدخان، وجسمه بيترعش. بص لولاء اللي كانت واقفة مصدومة، وقال بصوت طالع من القبر، بس كله حقد وقوة:

“لسه بدري يا ولاء.. الحساب لسه مخلصش.”

ولاء وقعت على الأرض مغمى عليها من الرعب، وتامر اتقبض عليه وهو بيحاول ينط من السور. محمود خد رجب في حضنه وهو مش مصدق، ورجب ساند على أخوه وبص للسماء وهو بيتنفس لأول مرة “نفس بجد”.

لكن وهو بيقوم، رجب مسك إيد محمود وضغط عليها جامد، وهمس في ودنه بكلمة خلت جسم محمود يقشعر:

“محمود.. القطارة اللي معاك مش كل حاجة.. فيه إزازة تانية في الخزنة.. إزازة فيها اسم حد أنت مش هتصدقه.”

محمود بص لأخوه باستغراب، ورجب عينيه كانت بتبص على “الضابط تامر” اللي كان واقف بعيد بيقيد ولاء بالكلبشات.. نظرة رجب كانت بتقول إن المؤامرة دي أكبر بكتير من مجرد زوجة خاينة ومدرب طماع.. الحكاية يادوب بتبدأ.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى