روايات وقص

وقف الجميع كاندهه

وقف الجميع كالنداهة، الصمت أطبق على المكان إلا من صوت صفارة الإسعاف التي كانت تبتعد رويداً رويداً حاملة طارق وندى إلى المستشفى. نظرتُ إلى الوجوه المذهولة المحبوسة معي في الصالة؛ حسام زوج نهى كان يتصبب عرقاً ويحاول فتح باب المطبخ المغلق دون جدوى، وأمي doña فاطمة كانت تلطم على خدودها بصوت خافت وهي تردد: “قدام القرايب، الله بيت الشيطان”، أما نهى… فكانت واقفة كالصنم، عيناها معلقتان بكوب البلاستيك الذي أخذته معي وضغطت عليه في يدك بقوة قبل أن أغلق الباب.

لم أكن مجرد أم مفجوعة في تلك اللحظة؛ بل استيقظت في داخلي المحققة القديمة، العقل البارد الذي يحلل الأرقام والثغرات. تذكرتُ كل قرش اختفى من ميزانية “محلات العطارة والخير”، كل عقد توريد أصرت نهى على توقيعه مع شركات وهمية، والخطاب المسرب الذي وصلني قبل أسبوع واحد فقط يهدد بكشف اختلاسات بمليارات الجنيهات في الشركة. ندى لم تكن ضحية صدفة؛ ندى كانت الرسالة، أو ربما كانت الكارت الأخير لتهديدي وإجباري على التنازل عن الإدارة والتوكيل العام قبل اجتماع الجمعية العمومية المخطط له صباح الغد.

أخرجتُ هاتفي بثبات، واتصلتُ بالرائد هشام، زميلي القديم في الشؤون القانونية والأدلة الجنائية. بصوت حاد كالسكين، قلت له: “هشام، عندي شروع في قتل طفلة في بيتي، والفاعل محبوس في الصالة ومعايا الدليل في إيدي.. تعالَ بفريق البصامات فوراً.”

هنا صرخت نهى وألقت بنفسها على الباب المغلق: “أنتِ اتجننتي يا مريم؟! هتحبسي اختك عشان البنت جائلها هبوط؟! حسام، اتصرف، كسّر الباب ده!” لكن طارق، الذي كان قد أرسل زملائه بالإسعاف وعاد فوراً برفقة ضابط شرطة بعد أن شك في طبيعة المادة، كان يقف على العتبة الخارجية للبيت. دخل طارق بخطوات واثقة، وجهه كقطعة من الغرانيت، ونظر إلى نهى قائلاً: “محدش هيتحرك من هنا.. التحليل المبدئي في المستشفى طلع وجود مادة “المركبتوبورين” السامة، المادة دي مابتتجابش غير بروشتة خاصة جداً، ونسبة السمية اللي في دم ندى تأكد إنها اتحطت بتركيز عالي في الشربات.”

سقطت أمي على الكنبة وهي تصرخ، بينما تراجع حسام للخلف ووجهه شاحب كالأموات، ناظراً إلى نهى بذهول: “أنتِ قلتيلي إنها مادة هتخليها تدوخ بس عشان نلغي الاجتماع بتاع بكرة! أنتِ أردتِ تقتلي البنت؟!”

صمت الجميع. الكلمة خرجت من فم زوجها كالقنبلة التي فجرت كل الأكاذيب.

تقدمتُ نحو نهى بخطوات بطيئة، بينما كانت الشرطة تدفع الباب وتدخل الصالة. أخرجتُ من حقيبتي ملفاً أسود صغيراً كنتُ قد احتفظتُ به منذ أيام، ورميته تحت قدميها. “ده تقرير المراجعة المالية اللي كان المفروض أقدمه بكرة للنيابة العامة يا نهى.. أنتِ وحسام سرقتوا الشركة، ولما عرفتوا إن السجن مستنيكم، فكرتم تكسروني ببنتي عشان أتنازل عن كل حاجة وأوقع على إبراء الذمة.. بس نسيتوا إن الأم لما تنجرح، بتبقى أشرس من أي محقق.”

تم وضع الكلبشات في يدي نهى وحسام وسط ذهول العائلة وصدمة أمي التي لم تجد كلمة واحدة تدافع بها عن ابنتها المفضلة. رفعت نهى رأسها، وعيناها تشتعلان بالغل، وقالت بصوت همسي يرعب: “فاكرة إنك كسبتي يا مريم؟ تفتكري الشربات ده أنا اللي جيبته البيت أساساً؟ اسألي أمك مين اللي جاب أزازة الدواء دي من أسبوع وقالتلي أحط منها نقطتين عشان نخلص من وجع الدماغ!”

التفتُّ ببطء شديد نحو أمي… التي كانت يداها ترتجفان بشكل هستيري، وعيناها تتهربان من نظراتي، بينما رن هاتف طارق في تلك اللحظة بالذات، وجاءه الصوت من المستشفى: “يا طارق بيه… ندى فاقت، بس بتقول إن Teta هي اللي ادتها الكوباية بإيدها وقالتلها اشربي دي كلها عشان تبقي شاطرة…”

انخطف نفسي، وتجمّدت الدماء في عروقي، وأنا أنظر إلى أمي التي وقفت فجأة، وبدأت تتراجع نحو شباك البلكونة المفتوح…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى