
الكيس الأسود الثقيل كان بين إيدين فريدة، متربص ومربوط بـ “شكرتون” رمادي عريض كأنه طرد ملغوم.
الريحة اللي طلعت منه ماكانتش مجرد ريحة زفارة أو أكل بايز، دي كانت ريحة الموت نفسه. ريحة تطلع من قبر اتفتح قبل وقته. الستات في حوش المدرسة بدأوا يرجعوا لورا وهم بيصرخوا ويداروا مناخيرهم في طرحهم، الأباء اللي كانوا بيلعبوا عيالهم اتسمروا مكانهم، والراجل بتاع الدي جي أخيراً استوعب البشاعة وفصل السلك، فعمّ السكوت الكئيب، مافضلش غير صوت هواء السيدة زينب المحمل بتراب الحارة وممزوج بريحة العفونة دي.
الست أبو نظارة سوداء وجهها اصفرّ، الحمار اللي كان في ضوافرها بقى يبرق زي الدم. اتنفضت وهجمت على فريدة زي المسعورة: “هاتي الكيس ده يا بت الكلب بدال ما أفعصك!”
ما حسيتش بنفسي غير وأنا بحدد جسمي قدامها، زقيتها بإيدي بكل قوتي لدرجة إنها ترجعت خطوتين ونظارتها الشمس اتخلعت وسقطت على الأرض. ظهرت عيونها.. عيون واسعة، حمرا، ومرايا من الرعب والشر.
“إياكي تلمسي بنتي!” صرخت فيها بصوت ما عرفتش إنه بصوتي أصلاً، “مافيش حد هيتحرك من هنا ولا كيس هيتاخد إلا لما البوليس ييجي!”
الست هدى الناظرة كانت واقفة لسانها مربوط، إيدها بترتعش وهي ماسكة ورقة السحب بتاعة التومبولا. زعقت فيها: “يا أبلة هدى! اقفلي أبواب المدرسة فوراً! اطلبي النجدة، اطلبي قسم السيدة زينب دلوقتي!”
الست أبو نظارة بصت حواليها بدهاء ثعلب محشور في زاوية. الحوش كله بدأ يحيط بيها، الناس فهمت إن فيه مصيبة أكبر من مجرد “خناقة أهالي”. البواب، عم أمين، جري على البوابة الحديد العالية وقفلها بالترباس والترباس الصدي عمل صوت صرير يرعب.
“انتوا اتجننتوا؟” الست بصت للمحيطين بيها وصوتها بدأ يترعش بس بتحاول تداري: “انتوا هتصدقوا كلام عيلتين عيال بتخرف؟ أنا خالتها! وأمها مسافرة دبي شغال هناك وهترجع الشكوى دي هتوديكوا في داهية!”
في اللحظة دي، سارة كانت قاعدة على الأرض، لافة جسمها الصغير حوالين ركبها، بتعيط بس من غير صوت. الدموع كانت بتعمل مجاري في التراب اللي مغطي وشها. قربت منها، وطيت على ركبتي وأنا جسمي كله بيفور، وحطيت إيدي على ظهرها.
“سارة.. يا حبيبتي بصيلي”، قلت لها وأنا بحاول أهدّي صوتي وسط ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول، “محدش يقدر يؤذيكي طول ما احنا هنا. الكيس ده فيه ايه يا سارة؟ ومامتك فين؟”
سارة رفعت عينها المكسورة. عيون طفلة عندها تمان سنين بس شايلة حزن عجوز عندها مية سنة. بصت للست اللي واقفة تسب وتلعن، وبعدين بصتلي، وشفايفها المتقشرة اتفتحت بالراحة: “دي مش خالتي.. دي صاحبة بابا.. وبابا قاللي لو فتحت بقي، هيعمل فيا زي ما عمل في ماما..”
الهواء اتجمد في صدور كل اللي واقفين.
“عمل ايه في مامتك يا سارة؟” فريدة بنتي هي اللي سألت، وكانت لسه ماسكة الكيس الأسود وتقيلة عليه إيدها الصغيرة بترتعش بس مصممة ما تسيبوش.
سارة شاورت بإيدها الترعش على الكيس: “ماما ما سافرتش دبي.. بابا ضربها على رأسها يوم الثلاثاء بالليل بآلة تقيلة لما كانت بتتخانق معاه عشان عايز ياخد شقتنا ويكتبها باسم الست دي.. ماما وقعت وما قامتوش ثاني.. وبعدين.. وبعدين قطّع هدمها ورماها في الدولاب.. وقاللي دي هدوم ماما القديمة، خدي الكيس ده معاكي المدرسة، وارميه في مقلب الزبالة الكبير اللي ورا سور المدرسة وأنتِ راجعة.. وقاللي لو حد سألك، قولي دي هدوم مقطعة بنرميها..”
صمت رهيب.. صمت أثقل من الجبال.
الستات بدأت تصرخ، واحدة من الأمهات أغمى عليها وسقطت بين إيدين جوزها. الكيس اللي في إيد فريدة ماكانش هدوم.. الكيس كان..
أنا مسكت فريدة بسرعة وزقيتها ورايا، وصرخت فيها: “نزلي الكيس من إيدك يا فريدة! نزلييييه!”
الكيس وقع على الأرض الترابية، ومن الصدمة أو من الثقل، الشكرتون الرمادي اتفك منه جزء.. وظهر من جوه البلاستيك الأسود قطع من القماش المتغرق بالدم الناشف، وجزء من.. شعر ست طويل، ملبد بالدم ومحشور جوه البلاستيك.
“يا لهوي! يا لهوي جثة!” صرخة أم أحمد بتاع السوبرماركت شقت المكان، والحوش اتقلب لزنزانة من الفوضى.
الست أبو نظارة فهمت إن اللعبة انتهت. اتلفتت زي الكلب المسعور، وطلعت من شنطتها الماركة كتر (مشرط) فضي كبير، فتحته بتكة مرعبة، وهجمت فجأة مش عليّا.. دي هجمت على سارة!
“تعالي هنا يا بنت الكلب والله ما إنتِ عايشة!”
أنا ما فكرتش. الأمومة مش مجرد رابطة دم، الأمومة غريزة دفاعية بتخليك تتحول لوحش لو شفت طفل بيتظلم قدامك. اترميت في وشها بكل جسمي. المشرط علم في دراعي بغرزة غويطة وشق كم بلوزتي، والدم السخن طرطش، بس أنا ما حسيتش بالوجع. مسكت إيدها اللي فيها المشرط وعضيتها بكل قوتي في معصمها.
الست صرخت من الوجع والمشرط وقع، وفي ثانية، ثلاثة من الأباء وعم أمين البواب كانوا نازلين عليها، كتفوها على الأرض وثبتوا دراعاتها ورا ظهرها وهي بتصرخ وتسب بأقذر الألفاظ.
أصوات سرينات البوليس والإسعاف بدأت تملى الشارع برة، صرخة السيلين كانت بتقرب بسرعة وتشق زحمة السيدة زينب.
الباب الحديد اتفتح بقوة، ودخلت قوات الشرطة، يتقدمهم ضابط مباحث بوش صلب وعيون بتتفحص المكان في ثواني، ووراه أربعة أمناء شرطة ورجال الإسعاف.
“فيه ايه هنا؟! مين بلّغ عن جثة؟” الضابط صرخ وهو بيبص للمشهد: ست متكتفة على الأرض، دم نازل من دراعي، طفلة بتعيط على الأرض، وكيس أسود مريب في نص الحوش طالعة منه ريحة الموت.
أنا كنت ماسكة دراعي اللي بينزف، بس عيني كانت على سارة. الضابط قرب من الكيس، وبحرص شديد استخدم قفازات وفتح حافة الكيس.. وشّه اتحول للون الرمادي في ثانية.
“معاين النيابة فوراً.. واقفلوا المدرسة دي محدش يخرج ولا يدخل!” الضابط زعق لأمناء الشرطة، وبعدين بص للست المتكتفة: “مين دي؟”
سارة، وهي بتعيط وتترعش، وقفت جنب فريدة بنتي اللي كانت حاظناها. سارة بصت للضابط وقالت بصوت مكسور بس مسموع: “دي صاحبة بابا.. وبابا هو اللي موت ماما ورماها في دولاب أوضتنا.. وقاللي ارمي الكيس ده في الزبالة..”
الضابط اتسمر مكانه. البشاعة كانت أكبر من إن أي حد يستوعبها. رجل مباحث ممرس، بس عيونه كانت بتقول إنه ما شافش خسة بالنذالة دي في حياته.
“عنوان بيتك فين يا سارة؟” الضابط سألها بصوت حاول يخليه حنين على قد ما يقدر.
“في حارة المبيضة.. العمارة البيضاء اللي جنب الجامع..”
الضابط بلمحة سريعة أشر لاثنين من الضباط المعاونين: “قوة فورية على العنوان ده! هاتو لي الأب حي أو ميت! وسدوا الشقة بالكامل!”
الإسعاف قربت مني عشان تضمد جرح دراعي، بس أنا زقيتهم بالراحة: “شوفوا البنت الأولى.. شوفوا سارة.”
المسعف قرب من سارة، ولما رفع كم مريلتها عشان يفحص الكدمة اللي فريدة شافتها، الكل شهق. دراعها الصغير كان مكسور ومحطوط في وضع غلط، وجسمها كله كان عبارة عن خريطة من التعذيب.. كدمات زرقا وسودا ومطافى سجاير على جلدها الناعم.
الأب والست دي كانوا بيمارسوا عليها أبشع أنواع التعذيب عشان تجبر على السكوت، عشان تشيل سر الجريمة في شنطتها الصغيرة وترميه في الزبالة كأنها بتتخلص من لعبة بايزة!
البوليس أخد الست المتهمة، وحطوا الكلبشات في إيدها وهي لسه بتبص لسارة بنظرات غل، بس البوابين والأهالي كانوا هيفرتكوا العربية عليها من الغضب.
النيابة وصلت، وتم تحريز الشنطة والكيس، وأنا وفريدة وسارة اتنقلنا لقسم الشرطة وبعدها للمستشفى عشان التقرير الطبي ولأخذ أقوالنا.
في المستشفى، وأنا قاعدة بتعالج من الجرح اللي في دراعي، فريدة كانت قاعدة جنب سارة على السرير، ماسكة إيدها وبتأكلها عصير وبسكويت.
“أنا آسفة يا سارة..”، فريدة قالتها وهي منكسة رأسها والدموع في عينها، “أنا قولت عليكي ريحتك وحشة قدام الناس كلها..”
سارة بصت لفريدة، ولأول مرة شفت ابتسامة باهتة ومكسورة تترسم على وشها: “انتِ ينقذتيني يا فريدة.. لو ما كنتيش قلتي كده، كان بابا هيخليني ارمي بقية ماما.. وكان هيقتلني أنا كمان لما أرجع..”
في اللحظة دي، دخل الضابط المباحث الغرفة. وشّه كان مشدود وواضح عليه إنه شاف مشاهد تقلب البطن.
بصلي وقال: “يا مدام مريم.. القوة اقتحمت الشقة في السيدة زينب.”
أنا بلعت ريقي بصعوبة: “ولقيتوا ايه؟”
الضابط غمّض عينه لحظة وكأنه بيحاول يطرد الصور من دماغه: “لقينا الأب.. كان بيلم هدومه وفلوسه وبيستعد للهرب برة مصر. ولدواعي البحث، فتحنا الدولاب المتقفل بقفل حديد في غرفة النوم.. ولقينا بقية جثة الأم.. الجريمة تمت من يوم الثلاثاء فعلاً، وكان مجهز خطة إنه يخلي الطفلة تتخلص من أجزاء من الأدلة من غير ما تفهم، تحت تهديد الضرب والتعذيب.”
سارة لما سمعت الكلام، حطت إيدها على دانها وبدأت تصرخ بصوت يقطع القلب. أنا قمت فوراً وجريت عليها، حضنتها هي وفريدة مع بعض. حضنتها بقوة وكأني بأكد لها إن الكابوس ده خلاص انتهى، إن الوحوش اتكشفوا ومش هيقدروا يلمسوها تاني.
الأب اتقبض عليه، والست المشاركة معاه لبست قضية قتل عمد وتستر وتكتيم أدلة وتعذيب طفل.
النيابة أمرت بإيداع سارة في دار رعاية مؤقتاً لحين ظهور أي حد من قرايب أمها، لأن أهل الأب كانوا متبرين منه ومن قذارته.
بس لما جه وقت إن سارة تروح مع الأخصائية الاجتماعية، سارة مسكت في بلوزتي بكل قوتها، وكانت بتصرخ: “مش عايزة اروح مع حد! عايزة اروح مع طنط مريم وفيروز!”
قلبي اتخلع. بصيت لفريدة، وفريدة بصتلي بعيون كلها ترجي: “ماما.. خلي سارة تعيش معانا.. سارة ما بقالهاش حد.”
أنا أرملة، شغالة مدرسة عربي، وعايشة بالعافية أنا وبنتي في شقة صغيرة. بس في اللحظة دي، حسيت إن ربنا حطني في طريق البنت دي لسبب. مش مجرد الصدفة هي اللي خليت فريدة تصرخ في المهرجان.. ده كان تدبير إلهي عشان تنقذ روح بريئة من جحيم.
رحت للنيابة، وقدمت طلب رسمي لكفالة سارة وضمها لحضانتي مؤقتاً بصفتي الشاهدة الرئيسية وصديقة العائلة، وبعد إجراءات قانونية طويلة وتحريات مكثفة عن حسني سلوكي، النيابة والقاضي وافقوا إن سارة تيجى تعيش معايا تحت رعاية وزارة التضامن.
عدت ست شهور..
البيت بقى دافي اكتر. سارة بدأت تعالج جروحها النفسية والجسدية. الجبس اتفك من دراعها، الكدمات اختفت، والشعر اللي اتصلح وبقى ناعم بقى يتربط بفيونات ملونة زي فريدة بالضبط. رجعت تضحك، رجعت تاكل، ورجعت تنام من غير ما تصحى تصرخ في نص الليل من كوابيس الشنطة والدولاب.
في يوم جمعة، كنا قاعدين في الصالة بنشرب شاي ببن، وفريدة وسارة كانوا بيلعبوا على السجادة وبيترسموا كراسات التلوين.
تليفوني رن. كان رقم محامي القضية.
“ألو.. أستاذة مريم؟”
“ايوة يا أستاذ، خير؟ فيه جديد في المحاكمة؟”
صوت المحامي كان فيه نبرة غريبة.. نبرة قلق وتردد: “مدام مريم.. جلسة النطق بالحكم على الأب وشريكته الأسبوع الجاي.. بس فيه حاجة خطيرة ظهرت في التحريات التكميلية لسه واصلة لي من الطب الشرعي دلوقتي.”
جسمي اقشعر: “حاجة ايه؟ مش البوليس قفل القضية والجثة لقتوها في الدولاب والكيس؟”
المحامي سكت ثواني، وبعدين قال بصوت واطي ومتقطع: “يا مدام مريم.. الطب الشرعي لما حلل DNA للجثة اللي لقينا أجزاء منها في الشنطة.. اكتشف إن الجثة دي.. مش جثة أم سارة!”
السماعة بغت تقع من إيدي. الدم اتجمد في عروقي.
“يعني ايه؟” هجست بصوت طالع بالعافية، “يعني ايه مش جثة أمها؟! أومال الجثة دي بتاعة مين؟! وأم سارة فين؟!”
المحامي قال جملة واحدة نزلت عليا زي الصاعقة: “الطب الشرعي بيأكد إن الجثة لست ثانية خالص اختفت من سنتين.. وأم سارة.. التحريات بتقول إنها لسه عايشة.. والأب كان حبسها في مكان محدش يعرفه.. والساعة دي.. الأب هرب من مستشفى السجن من ساعة واحدة بس!”
في نفس اللحظة دي.. النور قطع في الشقة كلها.
سواد كاحل عم المكان.
ومن برة باب الشقة في الهدوء المريب بتاع الحارة.. اتسمع صوت خبطات خفيفة ومثيرة للرعب على الباب الحديد..
وصوت راجل بيهسس من ورا الباب: “سارة.. افتحي لأبوكي يا حبيبتي.. أنا جيت آخدك عشان تشوفي أمك الحقيقية..”




