
نادية حست بإن حيطان الصالون بتطبق على نفسها، الهوا في الأوضة بقى تقيل ومكتوم بريحة التراب والندم، ويوسف لسه واصل نظراته الذكية بين أمه وبين عم حسين اللي كان واقف زي التمثال، عينيه مبرقة للصورة القديمة وإيديه بترتعش لدرجة إن السبحة الكهرام اللي في إيده وقعت على الأرض واتفرطت حباتها بصوت شخللة رن في ودن الكل زي ضربات الساعة. أمينة اترمت على الكنبة وجسمها كله بيتنفض، وبتخبي وشها بكفوفها وهي بتشهق بالدموع وتقول: “
يعني الواد ده.. الواد ده يبقى ابن..”. نادية قطعت كلام أمها بصوت حاد وقوي، صوت واحدة عاشت عشر سنين في مفرمة الأيام لحد ما عضمها نشف: “أيوة يا أمي، يوسف يبقى ابن المهندس شريف.. شريف اللي مات محروق في العنبر رقم 4 في مصنع الكيماويات، شريف اللي أبويا جه الليلة إياها ورجله فوق رقبتي ويقولي يا فاجرة ومين اللي عمل العملة دي، وهو عارف البير وغطاه! عارف إن شريف مات عشان يداري على القرف اللي بيحصل في المصنع وعشان يحميني أنا واللي في بطني من الأسياد اللي أبويا كان بيمسح لهم الجزمة عشان يفضل في منصبه!”.
حسين اتنرفز وعروق رقبة وشلت، وشه احمر لدرجة السواد وزعق بصوت متحشرج: “اخرسي! قطع لسانك! أنتِ جاية بعد عشر سنين تتبلي عليا وتفتحي دفاتر قديمة اتقفلت واتعجنت بالتراب؟ شريف مات في حادثة قضاء وقدر، المصنع كله اتقلب يومها والنيابة قفلت المحضر، أنتِ إيه اللي عرفك باللي حصل؟ وإيه اللي جاب الواد ده هنا؟”. يوسف شد ديل جاكيت نادية أكتر، عينيه كانت مليانة خوف بس فيها لمحة تحدي غريبة مش شبه سن عيل عنده عشر سنين، بص لعمه حسين وقاله بصوت طفولي بس ناشف: “متزعقش لأمي.. أمي مابتكذبش”. حسين بص للواد ونظرة عينيه اتغيرت، شاف في ملامحه نفس نظرة شريف، نفس العند، ونفس العينين الواسعة اللي كانت بتلاحقه في كوابيسه كل ليلة من عشر سنين. نادية طبطبت على كتف يوسف ورجعته خطوة ورا ضهرها، وبكل برود وثقة سحبت الفلاشة اللي كانت لفاها في منديل ورق وحطتها على الطربيزة جمب الصورة والدوسيه الأصفر.
“المحضر اتقفل في النيابة عشان التقارير المزورة اللي أنت وباشمهندس عاصم مدير القطاع طبختوها سوا”، نادية قالتها وهي بتبص في عين حسين مباشرة، من غير ما ترمش، “بس شريف مكنش غبي، شريف كان عارف إن تانكات المواد الكيماوية فيها تسريب، وعارف إن الشحنة المغشوشة اللي دخلت المخازن بعلمك وعلم الإدارة كانت قنبلة موقوتة، شريف كتب كل حاجة بالدليل، بالتواريخ، بأرقام الفواتير، وبأسماء الشركات الوهمية اللي كنتم بتاخدوا منها عمولات، وقبل ما يروح المصنع في الليلة الأخيرة بساعتين، جالي تحت البيت هنا، وسلمني الدوسيه ده، وقالي لو جرى لي حاجة يا نادية، الدوسيه ده هو حمايتك وحماية ابننا اللي في بطنك، لأن أبوكي لو عرف إنك حامل مني ومات، هيبيعك لأول مشتري عشان يداري على دوره في الجريمة”.
أمينة رفعت راسها وعينيها حمرا من العياط وبصت لحسين بذهول: “الكلام ده صح يا حسين؟ أنت كنت عارف إن بنتك حامل من شريف؟ أنت اللي طردتها في الشارع وهي غلبانة عشان خايف على نفسك؟”. حسين صرخ فيها: “اسكتي أنتِ! متصدقيش الخرفان دي! دي جاية تبتزنا وتدمر اللي باقي من اسمنا في الحتة!”. نادية ضحكت ضحكة مريرة، ضحكة طالعة من وسط الوجع والسنين اللي ضاعت من عمرها في غسيل الأطباق وبيع السندوتشات في المرج: “أبتزك؟ وأبتزك بإيه يا حسين يا مأجور؟ أنا مش عايزة منك مليم، أنا جاية أوريك بس إن الـعـار اللي كنت خايف منه مش أنا، العار هو الفلوس الحرام اللي بنيت بيها البيت ده واللي بتاكل منها أنت وأمك وأختك، الفلاشة دي عليها نسخة من كل التقارير الأصلية اللي شريف صورها، وعليها كمان تسجيلات صوتية بينك وبين باشمهندس عاصم وأنتوا بتتفقوا إزاي تلبسوا القضية لعامل غلبان مات في الانفجار وتطلعوا شريف هو اللي غلطان في الصيانة”.
حسين حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه، قعد على أقرب كرسي وهو بينهج، وبص للفلاشة وكأنه بيبص لثعبان أعمى مستني يلدغه، الهمس بره في الحارة بدأ يعلى، والشبابيك بتاعة الجيران بدأت تفتح، البيوت في حلوان ضيقة وصوت الزعاق بيوصل لآخر الشارع، نادية لاحظت ده بس مفرقش معاها، هي خلاص ماتت من عشر سنين واليوم ده هو يوم بعثها من جديد. في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة ودخلت منى، أخت نادية الصغيرة، اللي بقت دلوقتي مدرسة وعندها يجي ستة وعشرين سنة، كانت راجعة من بره وسامعة نص الكلام، بصت لنادية بذهول ودموعها نزلت: “نادية؟ أنتِ عايشة؟ كل ده وأبويا قايل لنا إنك سافرتي وهربتي مع واحد بره مصر وكسرتي رقبتنا؟”. نادية بصت لأختها بحنين بس بصلابة: “أبوكي طردني يا منى، طردني في نص الليل وأنا معايا عيل في بطني، عشان يحمي كرسي المدير اللي قعد عليه بعد ما شريف مات”.
حسين حاول يقوم ويمسك الفلاشة، بس يوسف كان أسرع منه، مد إيده الصغيرة ولقط الفلاشة وحطها في جيبه وبص لجده بتحدي، حسين زعق: “هات البتاعة دي يلا! أنت مش عارف دي ممكن تعمل إيه؟ دي تودي في داهية!”. نادية قدمت خطوة وبقت بين حسين وبين ابنها وقالت له بصوت واطي ومرعب: “دي فعلاً تودي في داهية، وعشان كده أنا مش هسلمهالك، أنا مش جاية أهددك عشان تديني فلوس، أنا جاية أقولك إن بكرة الصبح، الدوسيه ده والفلاشة دي هيكونو على مكتب النائب العام في القاهرة، القضية هتتفتح من جديد، وحق شريف اللي دموعه منشفتش في تربته هيرجع، والناس اللي في الحارة هنا اللي كنت خايف من كلامهم، هيعرفوا مين هو الحرامي ومين القاتل ومين اللي رخص عرضه وبنته عشان يداري على “.




