روايات وقص

حيطان الصالون

أمينة وقفت على رجليها وبصت لجوزها بقرف مكنش موجود في عينيها طول فترة جوازهم، سحبت غويشتين دهب من إيدها ورامتهم في الأرض قدامه وقالت له: “طول عمرك بتدعي الشرف والتدين، وطول عمرك ممشي البيت ده بالمسطرة والجلد، تطلع في الآخر بالوسـاخة دي؟ تطرد بنتك لحمك من الدار عشان خايف على منصبك؟ إلهي لا تكسب ولا تربح يا حسين”. منى جريت على نادية وأخدتها في حضنها وهي بتعيط وبتعتذر لها عن سنين الجفاء والظلم اللي عاشتها وهي فاكراها خاطية، نادية حضنت أختها بحرقة، بس عينيها كانت على يوسف اللي كان واقف مراقب الموقف كله بوعي مذهل، الواد كأنه كبر عشر سنين فوق عمره في الساعة دي.

حسين حاول يلعب على الوتر الأخير، نبرة صوته اتمسكنت وبقت فيها لجاجة وخوف: “يا نادية.. يا بنتي.. ارحميني، أنا أبوكي برضه، لو القضية دي اتفتحت أنا هضيع، هدخل السجن في آخر أيامي، واسم العيلة هيتمرمط في التراب، وأختك منى دي مش هتلاقي حد يتجوزها، ارحمينا عشان خاطر ربنا”. نادية بصت له بنظرة خالية من أي مشاعر، نظرة باردة زي التلج اللي كان في عينيه يوم ما طردها: “أنت مكنتش أبويا يوم ما سبتني في موقف عبود والبرد بياكل في ضهري، مكنتش أبويا وأنا بمسح البلاط في المطاعم عشان أجيب حق اللبن للواد ده، ارحم نفسك أنت وقدم استقالتك وروح اعترف باللي عملته، يمكن ربنا يسامحك، لكن أنا؟ أنا خلاص، قلبي مات من ناحيتك”.

نادية مسكت إيد يوسف وبصت لأمها وأختها وقالت لهم: “أنا ماشية، اللي عايز يشوفني أو يقف جمبي، أنا ساكنة في المرج، وعنواني مكتوب في أول ورقة في الدوسيه الأصفر ده، مش هسيب حق شريف، ومش هسيب ابني يعيش وهو فاكر إن أبوه سابه أو إنه جيه من غلطة”. التفتت عشان تمشي، ويوسف معاها، بس قبل ما خطوتهم تخطي عتبة الباب الخارجي للبيت، سمعوا صوت فرملة عربية جامدة أوي تحت البيت، وصوت بيبان عربيات بتتقفل بعنف.

الحارة كلها سكتت فجأة، ومن بلكونة الصالون، ظهرت أنوار زرقا وحمرا بتلف وبتعكس على حيطان الأوضة، صوت سرينة البوليس رن في المكان كله، وصوت خطوات تقيلة وسريعة كانت بتطلع السلم الخشبي بتاع البيت، الخطوات كانت بتجري بقوة وكأنهم عارفين هما داخلين فين بالظبط. حسين وشه بقى أبيض زي الورقة وصاح برعب: “هما جولى؟ عاصم بيه عملها وبلغ عني عشان يخلص مني؟”.

الباب خبط خبطات قوية كادت تكسر الخشب، وصوت جهوري من بره زعق: “افتح يا حسين! معاك الشرطة!”. نادية ثبتت في مكانها، ويوسف ضغط على إيدها جامد، بس الصدمة الحقيقية مكنتش في وصول الشرطة، الصدمة كانت لما الباب اتفتح بالقوة ودخل ضابط ومعه عساكر، ووراهم كان واقف راجل طويل، شعره شايب وعليه علامات الهيبة، ولابس بدلة شيك جداً، الراجل ده أول ما دخل عينه جت على يوسف، وعينيه دمعت وأطرافه اترعشت.

الراجل قدم خطوات وبص لنادية وقال بصوت مخنوق من العياط: “أنتِ نادية؟ والواد ده.. الواد ده يوسف ابن شريف؟”. نادية بصت له باستغراب وقالت: “أنت مين؟”، فالراجل طلع كارنيه وبطاقة شخصية وحطها قدامها وقال وهو بيعيط: “أنا اللواء رأفت السيوفي.. أخو شريف الكبير.. شريف مكنش مقطوع من شجرة يا نادية، شريف هرب مننا ومن عيلتنا بسبب رفضنا ليكي زمان، ولما مات إحنا قلبنا الدنيا عليه وعليكي، بس حسين وأسياده في المصنع فهمونا إن شريف مات ومفيش حد وراه، وإنك هربتي واختفيتي، أنا بقالي عشر سنين بدور على ريحة أخويا، ولما جالي تليفون النهاردة الصبح من فاعل خير في المصنع قالي إنك راجعة حلوان ومعاكي الدليل ومعاكي ابن شريف.. جيت فوراً”.

حسين وقع على الأرض من طوله لما سمع الاسم، والضابط شاور للعساكر وقال: “قبضوا على حسين المنشاوي، واقفلوا البيت ده، بناء على أمر النيابة العامة بإعادة فتح تحقيق في قضية حريق مصنع الكيماويات والقتل العمد والتزوير”. العساكر كلبشوا حسين وهو بيعيط ويستنجد بأمينة ومنى اللي سابوه ومحدش نطق بكلمة.

اللواء رأفت نزل على ركبه قدام يوسف، وبص في عينيه اللي شبه عيون أبوه بالظبط، ومسك إيديه الصغيرة وقال له: “سامحني يا ابني.. سامحني إننا سبناكم السنين دي كلها في العذاب ده.. بس من الليلة دي، مفيش خوف، ومفيش بهدلة، حق أبوك هيرجع، وأنت وأمك هتاخدوا مكانكم اللي تستحقوه”. يوسف بص لأمه نادية، ونادية لأول مرة من عشر سنين، حسيت إن الحمل التقيل اللي على ضهرها ارفع، وإن الليل الطويل اللي بدأ في موقف عبود، أخيرًا طلع وراه فجر جديد ونظيف.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى