
أستاذ شريف مدير الفرع جه وهو بيعدل نظارته والفضول واكل وشه، بس أول ما دنيا لفت له الشاشة وورت له رقم الحساب والملف المقفول، ملامحه اتمسحت تمامًا وبقت زي ورق الشجر الدبلان. بص لي من فوق النظارة بنظرة فيها ميكس غريب بين الشك والذهول والاحترام المبالغ فيه، وقال لي بصوت واطي وهو بيشاور على مكتبه الزجاجي: “يا آنسة نادية، اتفضلي معايا جوة، ماينفعش نتكلم هنا قدام الناس.”
رجلي مكنتش شايلاني وأنا ماشية وراه، البيادة الميري بتاعتي كانت بتخبط في الأرض الرخام بتعمل صوت منتظم، بس قلبي جوة صدري كان شغال زي طبول الحرب. قعدت على الكرسي الجلد الأسود، وحطيت إيدي الرعاشة على المكتب، ودنيا دخلت ورانا وقفت جنب الباب وكأنها خايفة أفوت منها. المدير قعد، شبك صوابعه في بعض، وبص لي وقال: “أنا مش عارف أبدأ منين، بس الحساب ده مش مجرد حساب توفير عادي، ده حساب جاري مقفول بأمر مشدد من جهة سيادية ورقابة مالية، ومحدش كان يملك حق الاستعلام عنه أو الإفراج عن قرش واحد فيه إلا بصاحب الشأن بشخصه، وبصمة إيده، وصورة بطاقته.. اللي هي إنتي.”
سندت ضهري لورا وحسيت إن الهوا بيقل في المكتب، وقولت له: “يا فندم أنا مش فاهمة حاجة، جدي حسن الله يرحمه كان راجل على قد حاله، معاشه من شركة الغزل والنسيج ميكفيش يفتح حساب بالملايين دي، وأبويا بالتبني فاروق قالي إنهم ٢٠ ألف جنيه، وإني لو صرفتهم هبقى باكل من خيرهم!”
أستاذ شريف ابتسم ضحكة باهتة وفيها مرار، وطلع ملف من درج مكتبه بعد ما دخل باسورد طويل عريض على الكمبيوتر، وقال لي: “الحاج حسن السيد مكنش مجرد موظف معاش يا آنسة نادية.. جدك قبل ما يموت بسنتين، باع أرض ورث قديمة جداً في الحزام الأخضر، الأرض دي دخلت كردون مباني وبقت تسوى ثروة، وباعها لشركة استثمار عقاري كبيرة. الثمن كله، اللي هو ٢٥ مليون جنيه، اتحول بالكامل على الحساب ده. بس المفاجأة مش هنا، المفاجأة في الشروط اللي جدك حطها في عقود البنك.”
سكت المدير ثانية، وكأنه بيقرأ السطور اللي هتغير حياتي للأبد، وكمل: “الحاج حسن كتب نصاً: يُجمد الحساب بالكامل لمدة خمس سنوات من تاريخ وفاتي، ولا يحق لأي مخلوق، بما في ذلك ابني فاروق حسن السيد، الاطلاع عليه أو معرفة قيمته. وبعد مرور الخمس سنوات، تؤول الملكية الكاملة والتصرف المطلق للآنسة نادية السيد، ويُصرف لها المبلغ بالفوائد المركبة، بشرط حضورها بنفسها لتنشيط الحساب.”
الدنيا لفت بيا.. ٢٥ مليون جنيه؟ جدي أنا؟ الراجل اللي كان بياخدني في إيده نشتري طعمية سخنة ويفرح لما يلاقيني مطلعة الأولى على المدرسة؟ الراجل اللي فاروق رماني في وشي كارت فيزته وقال لي إنها شحاتة؟ وفجأة، زي ما يكون شريط سينما بيتعرض قدام عيني، افتكرت ليلة العزا.. افتكرت نظرة عين فاروق وهو بيرمي الكارت. مكنش بيرميه كبرياء، مكنش بيرميه وهو مستهتر.. ده كان بيمتحني! كان عايز يعرف لو كنت هجري على أي مكنة ATM وأحط الكارت عشان أشوف فيه كام، ولو كنت عملت كده، السيستم كان هيقفل، والبنك كان هيبلغ فاروق إن الحساب اتحرك، وكان فاروق هيعرف إن فيه سر ورا الكارت ده ويبدأ يدور ورايا!
فاروق مكنش عارف الحساب فيه كام، جدي حسن ذكاءه كان أسرع من جشع ابنه. جدي عرف إن لو فاروق شم خبر عن الملايين دي، مكنش هيسيبني عايشة، أو كان هيجبرني أمضي على تنازل تحت التهديد، فضحى بيا قدامهم، سابهم يفتكروني “شحاتة” بتاخد فتافيت، عشان يحميني لحد ما أكبر وأقوى، لحد ما أبقى ظابط في الجيش وأعرف أحمي نفسي وأحمي حقي.
قومت وقفت وطليت من شباك المكتب على شوارع وسط البلد، الدموع كانت متحجرة في عيني بس من الشرف والمحبة مش الكسرة. جدي محمنيش وأنا صغيرة وبس، ده أمن لي مستقبلي وأنا كبيرة. التفت للمدير وقولت له بصوت قوي رجع لي هيبتي العسكرية: “والخمس سنين دول خلصوا إمتى يا فندم؟”
أستاذ شريف بص للتقويم اللي على مكتبه وقال وعينه مبرقة: “الخمس سنين خلصوا بالتمام والكمال أول إمبارح يا فندم.. يعني حضرتك جيتي في الميعاد الإلهي المظبوط.”
في اللحظة دي، تليفوني المحمول في جيبي اتهز. طلعته وبصيت على الشاشة، لقيت رقم غريب بيرن. رديت، وجالي صوت كنت أتمنى عمري ما أسمعه تاني.. صوت فاروق، بس مكنش صوته الواثق المتكبر بتاع زمان، كان صوته مخنوق، سريع، وفي خلفيته صوت دربكة وعياط نسوان.
“نادية؟ إنتي فين يا نادية؟” قالهالي بنبرة مرعوبة.
رديت ببرود وثبات: “عايز إيه يا فاروق؟ أنا مش قولتلك متبعتليش وماتكلمنيش تاني؟”
“نادية، أرجوكي اسمعيني.. إنتي رحتي البنك؟ رحتي بنك مصر اللي في وسط البلد؟”
قلبي سقط في رجلي، هو عرف منين؟ هل فيه حد في البنك سرب له معلومة؟ بصيت للمدير ودنيا بشك، بس المدير شاور لي ب راسه بمعنى “فيه إيه؟”.
قولت لفاروق: “وأنا هروح البنك ليه؟ مش إنتي قولتلي إن الكارت ده مفيهوش غير ٢٠ ألف جنيه ورميتهم لي عشان صعبت عليك؟ أنا لسه رامية الكارت في الزبالة النهاردة وأنا بنظف الشقة.”
سمعت صوت نفس طويل وخارج منه تنهيدة رعب من ناحيته، وقال لي بصوت بيرتعش: “الحمد لله.. الحمد لله إنك مرحتيش.. نادية، البيت عندنا مقلوب. المحامين بتوع جِدك جم النهاردة الصبح ومعاهم قوة وتنفيذ أحكام، وبيطردونا من البيت! طلع إن جدي كان كاتب البيت باسم شركة استثمار، والشركة دي باعت البيت، وفيه أمر طرد لينا كلنا.. جدي ضحك علينا يا نادية! ساب لنا الفقر والديون وشال كل حاجة… أنا كنت فاكر إنه سابلك حاجة مستخبية في البنك، المحامي لمح لي إن فيه حساب سري باسمك، لو الحساب ده معاكِ وفيه فلوس، ارجعي يا بنتي.. ارجعي الحقي أبوكي وأمك اللي ربوكي من الشارع!”
كلمة “ربوكي من الشارع” نزلت عليا زي السكين، بس المرة دي مجرحتنيش، دي قوتني. ضحكت ضحكة عالية، ضحكة سمعها المدير ودنيا في المكتب، وقولت له بصوت زي الطلق الناري: “أبويا وأمي؟ إنت نسيت يا فاروق؟ مش إنت اللي قولت لي ليلة العزا إني كنت شيلة وشيلتوها وخلصتوا منها؟ مش إنت اللي قولت لي إن ساعة جدي لولاد العيلة بتوع دمه؟ أهو جدي بقى، اللي مكنتش بتعتبرني من دمه، ساب لي دمه وروحه وحمايته.. وسابلكوا إنتوا الأوضة اللي هتقعدوا فيها في الشارع!”




