روايات وقص

د كنت سانده رجلي بالعافيه

سحبت رجليّ بالعافية وأنا سانده على كتف طارق. خطوة يمين وخطوة شمال، عينيا متغمضة نص غمضة، وبطلع الآه بالعافية عشان أردد النغمة اللي هما عاوزين يسمعوها: “مش قادرة يا طارق.. الدنيا بتلف بيا أوي يا حبيبي.. سيبني أنام.”

 

شدني من وسطي بقوة أكتر، وكانت مسكته ناشفة ومفيهاش ريحة الحنية اللي كان بيمثلها طول الأسبوع اللي فات. ورايا مباشرة، كنت سامعة خشرجة أنفاس أبوه حسان وخطوات أمه ثريا وهي بتتسحب في الطابق السفلي للحيطة، كأنهم ضباع ماشية ورا فريسة متخدة.

“معلش يا مريم يا حبيبتي، الهوا بره هيفوقك.. تعالي بس قربنا نوصل,” قالها طارق وهو بيعدي بيا السلم الخشب الصغير اللي بيطلع على سطح اليخت الوراني.

البرد لسطح البحر في الساحل في الوقت ده كان بيقطع العضم، والموج كان عالي وصوته يرعب، بيخبط في جسم اليخت بصعقة تخلي أي حد يقف على حيله من الخوف. النوة كانت شغالّة، والضلمة بره كانت كاحلة، مفيش غير نور أصفر ضعيف طالع من الفانوس اللي في سقف اليخت.

أول ما رجلي لمست خشب السطح، طارق سابني فجأة. اتكعبلت ووقعت على ركبتي، وعملت نفسي مش قادرة أقوم ولا أرفع راسي.

وقفت ثريا قبالي، عينيها كانت بتلمع بشر مرعب في الضلمة، وقالت بصوت واطي ومكتوم: “خلص بسرعة يا طارق، الهواء بره يطير الجثة بعيد، والموج هياخدها للعمق قبل ما حد يلمح حاجة.”

حسان قرب من السور الحديدي، وطلع منديل قماش مسح بيه سور اليخت بعناية، وبعدين بصلنا وقال: “المكان هنا تمام.. اقلعي جزمتك يا مريم، عشان تعرفي تقفي.”

مدت ثريا إيدها وبكل غل قلعتني فردة الجزمة اليمين، وحطتها جنب السور بالضبط في الحتة اللي فيها بقعة مية، عشان لما نيابة أول رملة تفتيش تيجي، يتقال: “اتزحلقت وهي دايخة وهي بتبص على البحر.”

في اللحظة دي، طارق نزل على ركبته قدامي. مسك وشي بإيديه الاثنين. للوهلة الأولى، لو حد شافنا من بعيد يفتكر إنه بيبوسني أو بيمسد عليّ، بس مسكته كانت زي الكلبش الحديد، صوابعه كانت مغروزة في فكي بقوة.

“عارفة يا مريم؟” وشوشني في ودني وهو بيضحك ضحكة مكتومة مرعبة: “أنا فعلاً حبتك.. حبيت فلوسك، حبيت الشاليهات، وحبيت الـ 300 مليون اللي في البنك. بس للأسف، إنتي وحشة أوي في دور الضحية.. كان لازم تموتي أسرع من كده.”

أنا مكنتش خايفة. الرعب اللي كان في قلبي قبل ساعة تحول لدم سُخن بيمشي في عروقي. الحقد والغل طفوا كل مشاعر الخوف. كنت حاسة بالموبايل الصغير الملفوف في الحزام المطاطي تحت بطانة الروب بتاعي، والمايك شغال، وبيسجل كل نفس، كل ضحكة، وكل اعتراف بيخرج من بقهم.

طارق مسكني من دراعاتي الاثنين ووقفني. جسمي كان متسابق مع التمثيلية، رخيته خالص كأني جثة هامدة.

“شيل معايا يا حسان,” طارق نادى على أبوه.

حسان قرب مسك رجليّ، وطارق مسكني من تحتي إبطي. رفدوني فوق السور الحديدي. المية المالح والرذاذ كان بيخبط في وشي، وصوت الموج تحت كان زي الغول اللي فتح بؤه عشان يبتلعني.

“في أمان الله يا وريثة العطار,” قالها طارق وهو بيستعد يرميني في المية.

وفي اللحظة اللي دراعاته ارخت فيها عشان يدفعني للعمق…

صوت كشاف إضاءة عملاق أبيض زي الشمس شق ضلمة البحر والنوة!

النور كان قوي لدرجة إنه عمى عينين طارق وأبوه. النور سبقه صوت سرينة إنذار قوية جداً، صوت يخرم الأذن، وصوت محركات ديزل جبارة بتقرب بسرعة مرعبة من اليخت.

طارق اتقطع نفسه واتسمر في مكانه، ثريا صرخت وغطت وشها من شدة النور.

ومن خلال الميكروفون المكبر للعدسات البحرية، اتسمع صوت يهز الحديد:

“حرس الحدود وقوات الأمن الوطني! اليخت محاصر بالكامل! أي حركة هتقابل بإطلاق نار مباشر! ارفعوا إيديكم لفوق!”

في ثانية واحدة، تحول الخوف من قلبي لقلوبهم هما. طارق اتلخبط، عينيه كانت بتتنقل بين النور القاطع والبحر، وفي لحظة غباء، حاول يزقني بكل قوته عشان يخلص مني قبل ما حد يوصل!

بس أنا مكنتش مخدورة.

أول ما حسيت بإيده بتدفعني، ماسكت في طوق قميصه بكل الغل اللي جوايا، وسحبته معايا!

وقعنا إحنا الاثنين، بس مش في البحر.. وقعنا على أرضية اليخت الخشبية! هو ظهره اتخبط في السور الصاج، وأنا لفيت وجيت فوقيه، وطلعت الموبايل الصغير من الروب ورفعتها في وش عينيه!

“الجرام اللي كنت بتديهولي كل ليلة.. تففته في الحمام يا طارق!” صرخت في وشه والدموع نازلة من عيني، بس دي مكنت دموع ضعف، دي كانت دموع النصر.

في أقل من دقيقتين، كانت لنشات القوات الخاصة البحرية (الضفادع البشرية) رابطة في اليخت، والرجال بملابسهم السوداء وأسلحتهم الآلية ينطوا على السطح زي الصقور.

“ايدك فوق رأسك منك ليه!”

اتثبت طارق وأبوه على الأرض في ثواني، الأغلال الحديدية اتكتكت في إيديهم. ثريا كانت بتصرخ وبتلطم على وشها وهي منهارة على ركبها: “يا لهوي يا فضيحتك يا حسان! يا لهوي يا ابني!”

الأستاذ مراد المحامي نزل من اللنش العسكري، وجنبه ضابط برتبة عميد. مراد جرى عليّ وهو بيلف حواليا جاكيت ثقيل: “حمد الله على السلامة يا مريم يا بنتي.. إنتي بطلة، إنتي جبل!”

أنا كنت بترعش من البرد والضغط العصبي، بس مسكت إيد مراد وقلتله بصوت مبحوح: “أبويا يا مراد؟ أبويا جراله حاجة؟”

العميد قرب مني وقال بنبرة هادية ومحترمة: “والدك الأستاذ إبراهيم العطار بخير وفي أمان تام يا فندم. قوة من الأمن العام بلغت عن الكمين اللي كان معموله على طريق المكس، وتم القبض على الأربعة بلطجية اللي كانوا مستنيينه هناك بنفس التوقيت.. القشّة اتلمت كلها.”

بصيت لطارق وهو متكتف على الأرض، وشه كان أصفر زي الورق، عينيه كانت تائهة ومش مصدق إن كل حاجة ضاعت في لحظة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى