
قربت منه بخطوات بطيئة، نزلت لمستواه، وبصيت في عينيه بثبات: “300 مليون جنيه؟ كنت فاكر إنك شاطر يا طارق.. بس نسيت إن أبويا علمني إزاي أعلم على الخاين قبل ما يفكر يخون.”
طارق بصلي بشر وقال: “فاكرة إنك خلصتي؟ فاكرة إن العطار هيكمل؟ الأوراق اللي مضيتي عليها في أول أسبوع… القوة المفوضة باسمي تسجلت خلاص في الشهر العقاري! حتى لو دخلت السجن، الأملاك بقت باسمي بصفة قانونية!”
حسان أبوه ضحك بجلط وهو متمطوح على الأرض: “صح يا مريم.. القانون ما بيحميش المغفلين، والتوكيل العام والشركات بقوا باسم طارق من مبارح الصبح!”
قلبي دق بسرعة.. هل معقولة هربوا بالفلوس حتى وهما رايحين المشنقة؟
ابتسم الأستاذ مراد ابتسامة عريضة، وطلع من جيب جيليهه الداخلي ملف أصفر، وفتحه قدام وش طارق وأبوه.
“أنت فاكر إنك ذكي يا طارق؟” مراد قالها وهو بيعدل نظارته: “مريم لما جابتلي التوكيل المزور اللي طلبت منها تمضيه في شهر العسل، أنا أخدت الورق وبدلته بأوراق نقل ملكية مشروطة.. الأوراق دي بتنقل كل ممتلكات عيلتك إنت وأبوك – بما فيها شقتكم اللي في جليم وفيلتكم اللي في الساحل – باسم مريم العطار كضمان مالي.”
طارق عيونه وسعت وصرخ: “إيه؟! إنت بتقول إيه يا مجنون إنت؟!”
“بقولك إنك مش بس مش هتاخد الملايين.. ده إنت وأبوك وأمك طالعين من الدنيا دي على باب السجن، وهدومكم اللي عليكم بقت ملك لمؤسسة العطار!”
ثريا اغمى عليها في مكانها، وحسان قعد يصرخ ويكلم نفسه زي المجانين. القوات شدوهم الثلاثة وسحبوهم للنشات الشرطة عشان يتنقلوا لنيابة أول رملة في الإسكندرية للتحقيق في قضايا الشروع في القتل، التزوير، والتآمر الجنائي.
ركبت اللنش مع الأستاذ مراد والقوة، واليخت الفخم اللي كان مفروض يكون قبري بقى ورايا مجرد قطعة حديد ظالمة في وسط المية.
بعد ساعتين، كنت في مكتب النيابة العامة. أبويا كان قاعد مستنيني. أول ما شافني، أخدني في حضنه وقعد يعيط زي الأباطرة لما يضعفوا قدام أولادهم.
“حقك عليا يا بنتي.. أنا اللي جوزتك للكلب ده.. أنا اللي انخدعت فيه.”
“خلاص يا بابا.. المهم إننا كشفناهم قبل فوات الأوان.”
النيابة فرغت التسجيلات اللي في الموبايل، والاعترافات كانت واضحة وصريحة وصوت طارق وهو بيقول “هنرميها في المية” كان كفيل إنه يوديه للمشنقة أو المؤبد على أقل تقدير.
بعد مرور شهرين…
كنت واقفة في صالة المحكمة الدائرية في الإسكندرية. القاضي كان بيمسك أوراق القضية، وطارق وأهله واقفين جوه قفص الاتهام. شكلهم كان يرحم، الهدوم البيضاء بتاعة الحبس الاحتياطي، والوشوش المسحوبة.
طارق كان بيبصلي بنظرات ترجي، كأنه بيترجاني أرحمه أو أتنازل عن حق الدم والتآمر. بس أنا كنت واقفة بلبس أسود شيك، حاطة إيد على إيد، وبصاله ببرود تام.
نطق القاضي بالحكم:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، على المتهم الأول طارق حسان بالسجن المشدد لمدة 25 سنة، وعلى المتهمين الثاني والثالث حسان وثريا بالسجن المشدد 15 سنة، مع مصادرة كافة المضبوطات وألزمتهم بالمصاريف الجنائية.”
صوت الشاكوش وهو بيخبط على الطاولة كان زي نغمة الانتصار في ودني. ثريا قعدت تصوت، وطارق مسك في قضبان القفص وهو بيصرخ باسمي: “مريم! مريم سامحيني! أنا اتخدعت! أبويا هو اللي زقني!”
لفيت ظهري ومشيت بثقة من القاعة، وورايا أبويا والمحامي مراد.
خرجنا على سلم المحكمة، هواء البحر النظيف خبط في وشي. أخذت نفس عميق حسيت بيه لأول مرة من شهرين.
أبويا مسك إيدي وقال: “يلا يا مريم.. الشركة مستنياكي، ولازم تمسكي المقبض من جديد.”
ابتسمت وقبل ما أركب العربية، تلفوني رن.
كان رقم غريب.. رقم من بره مصر.
فتحت الخط وقولت: “ألو؟”
جاني صوت راجل غريب، بنبرة حادة وباردة، صوت ما سمعتوش قبل كده في حياتي، بس قال كلمة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي من جديد:
“فاكرة إن طارق كان بيلعب لحسابه يا بنت العطار؟ طارق كان مجرد حجر شطرنج صغير في رقعة أكبر بكتير.. الدور على اللي فوقيه يا مريم.”
الخط قطع.
وقفت في مكاني والشمس فوق راسي، والعربية بابها مفتوح مستنيني.. والغموض المظلم يادوبك بيفتح أبوابه من أول وجديد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




