روايات وقص

د طريق السخنه كان فاضي

طريق السخنة كان فاضي، والشمس بتبدأ تغيب وبتعكس ألوان أرجوانية على زجاج العربية الـ SUV السودا اللي سايقها سيف المحروقي. جنبه كانت ميار طايرة من الفرحة، حاطة إيدها اللي فيها خاتم الألماض على رجله، وبتقلب في صور الفرح على إنستجرام وتشوف عدد الفولوورز اللي بيزيد بالآلاف كل دقيقة.

 

“سيف حبيبي…” ميار قالتها بنبرة دلوع ممدودة وهي بتبصله: “تفتكر نور هتعمل إيه أول ما تعرف؟ أنا خايفة تطالب بالنصيب أو تعملنا شوشرة في السوق.”

سيف ضحك بثقة وغرور، وداس بنزين أكتر: “نور؟ نور دي أضعف من إنها ترفع عينها فيا. زمانها دلوقتي بتعيط في أي حتة، أو مستنية أرجع عشان تترجاني ما أطلقهاش. نور مربية على المظاهر وكلام الناس، وأهم حاجة عندها صورة عيلة الرمادي. وبعدين… هي أصلًا مالهاش كلمة في الشركات، أنا اللي ممشي كل حاجة بقالي سنتين. انسيها يا ميار، النهاردة بتبدأ حياتنا صح.”

وصلت العربية لمشارف منطقة الكومبوند الراقي في القطامية. سيف هدى السرعة وهو بيدخل من البوابة الرئيسية، ومستمتع بنظرات أفراد الأمن اللي عارفين قيمة العربية وقيمة صاحبها. لكن أول ما قرب من الشارع اللي فيه فيلته، حك حاجبيه بذهول.

الشارع كان مقفول تمامًا.

8 عربيات نقل عفش ضخمة من بتوع الشحن الدولي واقفة للرصيف، ورجالة أشكالهم تجيب الرعب ببدل سوداء ونظارات شمس واقفين تنظيم حركة. العمال نازلين طالعين بشيل صوادق خشبية، قطع أثاث ملفوفة ببلاستيك فقاقيع، ونجف مذهب بيتشال بمنتهى الحرص.

“إيه المهزلة دي؟” سيف ضرب الكلاكس بغضب وهو بينزل من العربية: “إيه اللي بيحصل هنا؟ مين الأغبية دول اللي قافلين الشارع؟!”

ميار نزلت وراه وهي ماسكة في دراعه بخوف. سيف زق واحد من العمال بغشم: “أنت يا بني! أنت بتعمل إيه في فيلتي؟ نزل الزفت ده مكان!”

قبل ما العامل يرد، اتفتحت ضلفة العربية النقل الأخيرة، وخرج منها راجل عريض الكتفين ببدلة رسمية، وجنبه فاروق الرمادي… المحامي الأكبر والأشرس في قضايا الأموال العام في مصر، وعم نور.

“أهلاً بسيف بيه… أو نقول يا أستاذ سيف، بما إن الصفة التنسيقية للشركات اتلغت من ساعة تقريبًا.” فاروق قالها ببرود وهو بيمسح نظارته بمنديل حرير.

سيف اتجمد مكانه، ريقه جف: “أستاذ فاروق؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه العربيات دي؟ فين نور؟”

فاروق ابتسم ابتسامة سخرية مرعبة، وأشار بإيده نحو بوابة الفيلا الرئيسية اللي كانت مفتوحة على آخرها.

من جوة القصر، خرجت نور.

كانت لابسة فستان أسود بسيط، شعرها مرفوع لورا بصرامة، وشها شاحب أبيض زي الطباشير، بس عيونها فيها ثبات يهد جبال. كانت ماشية ببطء، حاطة إيدها الشمال على منتصف صدرها تحمي غرز العملية اللي لسه بتوجعها مع كل نفس، بس خطواتها كانت مسموعة وراسخة.

ميار رجعت خطوة لورا أول ما شافتها، أما سيف ففتح بقه بذهول: “نور؟! أنتِ… أنتِ بتعملي إيه؟ وإيه العربيات دي كلها؟”

نور وقفت على أول درجة من درجات السلم الرخام للمدخل، وبصلتله من فوق لتحت بجمود تام: “العربيات دي بتاخد حاجتي يا سيف. العفش، اللوحات، الصالونات الأنتيك اللي بابا الله يرحمه جابها من فرنسا، حتى السجاجيد التبريزي اللي كنت بتتباهى بيها قدام ضيوفك… كل حاجة أصلها فلوس عيلة الرمادي بتخرج دلوقتي.”

سيف صرخ بغضب وهو بيحاول يقرب منها: “أنتِ اتجننتِ؟! بيت مين اللي تفضيه؟ دي فيلتي! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تتصرفي التصرف ده؟”

قبل ما يكمل خطوته، حارس من الحراسات الخاصة اعترض طريقه بثبات زي الحيطة السد.

نور طلعت من شنطتها ملف أبيض ورمته تحت رجليه: “دي أوراق الفيلا يا سيف. الفيلا أصلًا ملك الوالد الله يرحمه ومسجلة باسمي شهر عقاري من سنة 2018. أنت كنت عايش هنا بصفة زوج… والصفة دي انتهت من اللحظة اللي وقعت فيها الإقرار ده.”

فاروق المحامي كمل ببرود قاطِع: “وتم إصدار قرار طلاق بائن للضرورة ولسوء المعاملة والضرر الجسيم، بناءً على المحضر رقم 4012 إداري التجمع، المرفق بيه فيديو اللايف المباشر وحالة المرض المثبتة بتقارير المستشفى الخاص.”

سيف بص للورق المرمي في الأرض، وبص لميار اللي كانت مذهولة ومرددات: “طلاق إيه وفيلت إيه؟ سيف… هو فيه إيه؟ مش أنت قايل لي إن البيت ده باسمك وأنك كاتبه باسمك؟”

سيف وشّه اتغير للأحمر الداكن، ودماغه بدأت تلف: “نور… أنتِ بتلعبي بالنار. الفلوس والشركات… أنتِ نسيتِ إن أنا المدير التنفيذي لمجموعة الرمادي والمحروقي؟ نسيتِ إن توقيعي هو اللي بيمشي المركب؟”

نور ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كمية وجع وكبرياء يهدوا دولة: “المركب غرقت يا سيف… وأنت اللي خرمتها بإيدك.”

طلعت ملف تاني، المرة دي لونه أسود، وأدت إشارة لـ “نهى” السكرتيرة اللي كانت واقفة جنب العربيات ومعاها إيباد.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى