روايات وقص

د بلاط الزمالك

تسللت البرودة من بلاط الزمالك إلى أطرافي، لكن قلبي كان أشد برودة. هشام يتنفس بانتظام بجواري، يصدر ذلك الصفير الخفيف الذي كان يبعث في نفسي الأمان قديماً، واليوم أصبح يثير في حلقي طعم الغثيان. نظرت إلى شاشة الهاتف المنورة باسم “ندى”… ندى التي تقاسمت معها شطائر الفول والعمبة في كليتنا، والتي بكت في حضني حين توفي والدها، هي نفسها التي تنتظر الآن ضياعي لتشيد بنيان بيتها على أطيافي.

لم أغلق جفني لحظة. كنت أعد الثواني، أراقب حركة عقارب الساعة الكلاسيكية المعلقة على الحائط وهي تتآكل كسنوات عمري التي ضاعت مع هذا الرجل.

في السادسة صباحاً، تحرك هشام، تمطّع وهو يرسل ابتسامته الصباحية المعتادة، تلك الابتسامة التي تدرب عليها أمام المرآة ليتقن دور الزوج المحب والمدير الناجح.

“صباح الخير يا سارة.. إيه ده؟ صاحية بدري كدة ليه؟” قالها وهو يفرك عينيه.

صنعت ابتسامة باهتة، متقنة بقدر كافيه، ورددت بصوت مبحوح: “صباح النور.. حاسة بشوية صداع بس. هقوم أعملك القهوة بتاعتك.”

“يا حبيبتي تسلمي لي.. القهوة من إيدك بتغير مود اليوم كله. بكرة لما الفلوس تنزل في حساب نوڤا هسفرك جزر المالديف أسبوعين ننسى فيهم التعب ده كله.”

نظر لي بعينين مليئتين بالوعود الكاذبة. كان يرى فيّ الشيك البنكي المكتوب بـ 200 مليون جنيه، لم يكن يرى إنسانة. أومأت برأسي، ودخلت المطبخ لأعد القهوة. وأنا أقف أمام البوتاجاز، أراقب الفوران الخفيف للبن، شعرت بأن هذا الفوران هو ذاته ما يحدث داخل رأسي. صببت القهوة، ووضعتها أمامه مع كاس ماء.

“أنا نازلة رايحة للبابا”، قلتها بنبرة عادية كأنني أقول سأشتري الخبز.

توقف فنجان القهوة عند شفتيه، ولمعت عيناه ببريق طمع لا يخطئه إلا أعمى: “خير؟ الحاج طلبك في حاجة؟ موضوع التحويل كمل؟”

“قاللي في كذا ورقة ناقصة للتوقيع في مكتبه.. عايزني أعدي عليه عشان ألم المحامين وينهوا الأوراق المالية.”

قفز من مكانه كأن كهرباء سرت في جسده، وأمسك بيدي بلهفة: “طب أجي معاكي! أجهز في ثواني وأسوق أنا بيكي.”

“لا يا هشام”، سحبت يدي برفق محكوم، “بابا قاللي تعالي لوحدك عشان في أمور عائلية وتوزيع إرث قديم تخصني أنا بس، مش عايز يوجع دماغك بالتفاصيل. خليك أنت في الشركة جهز أوراق نوڤا للاستلام.”

بلع ريقه، وتبدد حذره أمام جشعه. “تمام.. تمام جداً. كلميني أول ما توثقي الأوراق.”

تأنقت. ارتديت بدلة سوداء كلاسيكية، وحملت حقيبة جلدي الكبيرة التي اتسعت لكل قرص صلب وكل أوراق الملكية وحسابات البنوك. قبل أن أخرج، التفت إليه، كان يبتسم وهو يراجع جهازه اللوحي.

“هشام..”

“نعم يا حبيبتي؟”

“خلي بالك من نفسك.. الطريق مليان ملفات غادرة.”

ضحك بملء فيه: “ما تقلقيش.. أنا بقيت بعرف ألف مع الملفات كويس أوي.”

غادرت الشقة، وفي الأسانسير، شعرت بوزن الهرم الأكبر يزاح عن صدري. اركبت سيارتي واتجهت مباشرة إلى التجمع الخامس، حيث المقر الرئيسي لشركات “المتولي للإنشاءات والاستثمار”.

في الطابق الأخير، كان الحاج متولي يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب mahogany الداكن. رجل في الستينيات من عمره، وجهه محفور بملامح الصعيد الصارمة رغم سنوات السكن في القاهرة، عيناه تنفذان إلى أعماق النفوس. إلى جواره كان يجلس الأستاذ فاروق، المستشار القانوني للعائلة منذ ثلاثين عاماً.

ارتطمت الحقيبة الثقيلة فوق سطح المكتب.

“كل حاجة هنا يا بابا”، قلت وأنا أصلح جليستي.

نظر إليّ الحاج متولي بطرف عينه، سحب نفسًا عميقاً من شيشته المطفأة، ثم قال بصوت هادئ كالهدوء الذي يسبق الإعصار: “احكي لي تاني يا سارة.. بالحرف.”

أعدت سرد المكالمة. لم أبكِ، لم تتلعثم كلماتي. كل حرف كان يخرج كأنه طلقة رصاص مصبوبة. عندما وصلت لذكر “ندى” وحملها، رأيت عروق جبهة أبي تتورم، لكنه لم يتحرك. فاروق المحامي بدأ يسجل ملاحظات سريعة في دفتره.

“الـ 200 مليون جنيه كان المفروض يتردوا كقرض حسن وضمانة لشراكة مع شركة ‘نوڤا’ اللي هشام بيملك 60% منها”، قال فاروق وهو يقلب الصفحات، “الأوراق كانت جاهزة للتحويل بنكي النهاردة الساعة 2 الضهر.”

الحاج متولي وقف، واقترب من الشباك الزجاجي المطل على القاهرة الجديدة. وضع يديه خلف ظهره وقال: “هشام فاكر إنه ذكي.. فاكر إنه يقدر يلعب ببيت المتولي. هو ما يعرفش إن الفلوس دي أنا اللي عاملها بعرق جبيني في الثمانينيات، ومش هسيب صبي يجي ياخد شقا عمري ويطيح ببنتي.”

التفت إليّ، وكانت نبرته هذه المرة مزيجاً من القسوة الحانية: “سارة.. أنتِ عايزه إيه؟ عايزاه يتسجن؟ ولا عايزاه يتفلس؟ ولا عايزاه يتمنى الموت وما يلاقيهوش؟”

نظرت إلى أبي في عينيه прямо وقلت: “عايزاه يحس بالهاوية وهو فاكر إنه بيلمس السحاب.”

ابتسم الحاج متولي ابتسامة مخيفة، أدار وجهه لفاروق وقال: “نفذ الخطة ب.”

الخطة ب لم تكن تقتضي فقط إيقاف تحويل الـ 200 مليون جنيه. كانت تقتضي الإطاحة بالكامل.

خلال الساعات الثلاث التالية، اكتشف فاروق بالتعاون مع المحاسب القانوني حقيقة أذهلتنا. هشام لم يكن فقط يطمع في أموال والدي، بل كان قد تورط بالفعل في مديونيات ضخمة لشركات توريد مواد بناء، واقترض مبالغ خيالية بضمان الأرباح المتوقعة من عقد شراكة المتولي! كان قد اشترى فيلا جديدة في “سوديك” باسمه، وسجل سيارة مرسيدس موديل السنة باسم ندى.. كل ذلك بضمان الـ 200 مليون التي لم تدخل حسابه بعد!

“يعني هو مديون بـ 45 مليون جنيه للشركات والسوق؟” سألت فاروق.

“بالظبط يا سيدة سارة”، أجاب فاروق بابتسامة خبث قانونية، “وكان بيلعب على الوقت. يأخد الـ 200 مليون، يسدد الـ 45 مليون، ويخبي الباقي في حسابات أوفشور في قبرص، وبعدين يطلقك ويشهر إفلاس الشراكة ويخلع هو وندى!”

الحاج متولي وضع يده على الكرسي وقال: “جميل أوي.. يبقى إحنا مش هنلغي التحويل.”

نظرت له بدهشة: “يعني إيه يا بابا؟ هتدي له الفلوس؟”

“لا.. مش هدي له الفلوس”، رد أبي بصوت يملؤه المكر الصعيدي، “إحنا هنعمل تحويل مشروط مشروط بشرط جزائي يخليه يوقع على إعدامه المالي بنفسه، ومن غير ما يحس.”

في السادسة مساءً، اتصل بي هشام. كان صوته متوتراً، يحاول إخفاء قلقه: “سارة.. إيه الأخبار؟ الساعة بقت ستة والبنك قفل وما فيش إشعار دخل الشركة.”

“معلش يا هشام”، أجبته بنبرة هادئة ومتأسفة، “بابا لقي إن في بند في العقد محتاج يتعدل. بند بسيط خالص بيضمن إن الفلوس تتضخ في مشاريع الشركة مباشرة مش في الحساب الجاري. المحامي بيكتب الإضافة ودعانا كلنا على عشاء فاخر النهاردة في فندق الماريوت بالزمالك عشان نوقع العقد النهائي ونحتفل.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى