روايات وقص

د ثلاثه اسابيع

ثلاثة أسابيع مروا زي الثواني.

المستشفى انقضت أيامها، وخرجت بشيل بنتي “نور” بين دراعاتي. كل نظرة في عيونها كانت بتديني طاقة مش طبيعية. أنا مكنتش الأرنبة الخايفة اللي كانت بتستحمل إهانات الحجة نجوى أو تجرحها كلمات حازم السامة. أنا بقيت أم، ولما الست بتبقى أم وبتحارب عشان حق ضناها، القوانين كلها بتتغير.

في شقتي الجديدة في الزمالك — اللي حازم ميعرفش عنها أي حاجة — كانت أستاذة نهى نازلة شغل كأنه خلية نخل. الطاولة الكبيرة في صالة الشقة كانت متغطية بخرائط، كشوف حسابات بنكية من أربع بنوك مختلفة، وأوراق قضائية متمورة بأختام حمرا.

— مريم.. بصي هنا.

شاوِرت نهى بصبعها على شاشة اللابتوب وهي بتعدل نظارتها. كان قدامها رسم بياني بيوضح حركة الأموال من حسابات الفيديكوميس (صندوق الأمانات) اللي سابتهولي ستو الله يرحمها.

— حازم وأخوه أشرف مكنوش بيلعبوا عشوائي. دول كانوا بيستخدموا محاسب قانوني صايع من تحت السلم. الفلوس كانت بتطلع من حسابك على أساس إنها “مصاريف صيانة وتطوير” للمحلات والشقق بتاعتك. بعد كده تروح لشركة توريدات وهمية باسم شخص مسجل خطر، ومنها للشركة الأم.. شركة “السلاب للمقاولات”.

أخدت نفس عميق وأنا برضع “نور”:

— والفيلا؟ الفيلا اللي كشفتيها في الآخر؟

ابتسمت نهى ابتسامة فيها كمية شر مشهود:

— الفيلا اللي في التجمع الخامس، اللي مكتوب في كارت الفرح إن السيشن والمؤتمر الصحفي بتاع إعلان الشراكة وهيتم فيها حفل الاستقبال الضخم قبل ما يسافروا الساحل.. الفيلا دي حازم اشتراها باسمه الشخصي من شهرين. ثمنها كام؟ 28 مليون جنيه. كاش!

— وجاب الـ 28 مليون منين؟

— 18 مليون مسحوبين مباشرة من سيولة محلاتك اللي اتباعت في العتبة من وراكي بتفويض مزور، والـ 10 مليون الباقيين تمويل بضمان أصول شركة “السلاب” اللي أصل رأس مالها مجرور من فلوسك! يعني الباشا بايع ملكك، واشترى بيه Villa في أرقى كومبوند، ومجهزها عشان يخش بيها على ست الحسن والجمال “ندى”!

أحاسيس غريبة اتخلطت جوايا. الغضب كان موجود، بس كان مغلف ببرود مرعب.

— والقضية؟ جاهزة يا نهى؟

نهى قفلت اللابتوب بتكة قوية هزت الترابيزة:

— القضية مش بس جاهزة.. الأوامر القضائية بالتحفظ والضبط والإحضار محطوطة في البوسطة. بس احنا مش هنقدمها للنيابة النهاردة.

بصيتلها باستفهام:

— أمال إمتى؟

— يوم الفرح. الساعة تسعة بالليل.. في قمة الزيطة، والحجة نجوى لابسة الدهب كله وبتتباهى بـ “الولد” اللي جاي في السكة، وحازم واقف ينظّر على رجال الأعمال ويمثل دور المليونير العصامي.

يوم الخميس. الساعة سبعة مسائاً.

قاعة الفندق المطلة على النيل كانت عبارة عن قطعة من الخيال. ورد أبيض مستورد بالكامل، إضاءات خافته، وموسيقى كلاسيكية بتعزفها فرقة هارپ كاملة. الصحافة المهتمة بأخبار المجتمع ورجال الأعمال كانت واقفة بره، لأن الفرح مكنش مجرد جوازة.. ده كان إعلان عن شراكة ضخمة بين “شركة السلاب” ومجموعات استثمارية عربية، كان حازم بيلهث وراها بقاله سنتين عشان يغطي على ديونه.

أنا كنت قاعدة في عربيتي المرسيدس السودة، متدارية على بعد خطوات من المدخل الرئيسي للفندق.

كنت لابسة فستان أسود أنيق جداً، حاطة روج أحمر ناري، ولابسة نظارة شمس سودة رغم إن الليل جه. جنب مني على الكرسي كانت نهى ومعاها رجلين بشيلوا شنط جلد ثقيلة.. محضرين من المحكمة ومعاهم قوة من مباحث الأموال العامة بلبس مدني.

— جاهزة يا مريم؟ — سألتني نهى وهي بتفحص ساعتها.

— أنا مستنية اللحظة دي من خمس سنين يا نهى.. مش بس من تمان شهور.

الساعة جابت تمانية ونص.

تليفوني رن. كان رقم غريب. رديت.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى