روايات وقص

د الحاج حسين

**الجزء الثاني: البند رقم 12**

“اقرئي السطر ده بصوت عالٍ يا ندى,” قالها الحاج حسين وهو بيحط سبابته المجعدة تحت خط أسود عريض في نهاية الصفحة الأخيرة.

كنت بتهز من الساقعة والانهيار، بس سحبت الورقة وقربتها من نور الأباجورة الأصفر. عينيا كانت بتزغلل من الدموع، بس الكلمات بدأت توضح قدامي حرف بحرف:

*(البند الثاني عشر: يُعتبر هذا العقد نافذاً بتمويل كامل ومُثبت من الطرف الثاني “السيد/ حسين عبد المجيد Medina”، وتعتبر الوحدة السكنية المشار إليها [شقة التجمع الخامس]، بالإضافة إلى الحصة الشائعة في الأرض، ملكاً خالصاً ومسجلة باسم الطرف الأول “السيدة/ ندى حسين عبد المجيد”، على أن يتكفل الطرف الثالث “السيد/ ناصر الدين Salvatierra” بسداد الأقساط الشهريّة والضرائب والعمولات المترتبة عليها كالتزام شخصي ونفقة زوجية غير قابلة للرد أو المقاصة، وفي حال حدوث انفصال أو طلاق لأي سبب كان، يلتزم الطرف الثالث بإخلاء العين فوراً خلال 24 ساعة، مع استمرار التزامه بدفع بقية الأقساط لحين انتهاء التمويل.)*

رفعت رأسي لأبويا وأنا مش مصدقة.

“ناصر… ناصر ما قراش الكلام ده؟”

ابتسم أبويا ابتسامة خفيفة فيها كمية وجع وحكمة سنين طويلة، وقعد على الكرسي الهزاز بتاعه وهو بيمسح على شعره الأبيض: “ناصر يوم ما جه يطلبك، كان شايف نفسه جهبذ المعمار والبيزنس. كان فاكر إن لما أكتب الشقة باسمك وهو يدفع الأقساط من مرتبه، إنه كده بيكرمنا أو إنه بيضحك عليا بكلمتين. هو مضى العقد في مكتب المحامي وهو متسربع، كان عينه على الشيكات والتسهيلات اللي أنا قدمتهاله في البنك عشان يترقى وي مسك منصب المدير الإقليمي. ناصر يا بنتي عميت عينيه العظمة والتطبيز، وما فكرش إن العبد لله بقاله أربعين سنة في السوق وعارف طينة البشر كويس.”

فريدة بنتي اتنهدت وهي نايمة، كأنها بتحلم بكابوس الشارع. أبويا بص عليها كمل كلامه ونبرة صوته اتغيرت 180 درجة، من راجل طيب ومسن لأسد بيعد أسنانه:

“هو فاكر إنك طلعتي بشنط زبالة؟ بكرة الصبح هيفهم إن اللي طلع بشنط الزبالة هو اللي جوه الشقة.. مش أنتِ.”

في صباح يوم 26 ديسمبر، كان الجو في التجمع الخامس لسه مغيم وبارد.

في شقة ناصر، كان الصالون ريحته سجاير وفتافيت تورتة الكريسماس مالية الترابيزة. نهى كانت قاعدة بالروب القطيفة على الكنبة بتشرب قهوة، والحاجة صفية متمددة على الشيزلونج وبتقلب في التلفزيون وهي بتقول: “والله والبيت راق يا ناصر! كان همّ وربنا أزاحه عن قلبك.. عقبال ما نغير العفش البلدي ده وننتخب عفش مودرن على ذوق نهى.”

ناصر كان واقف قدام المراية بيلبس كرافتته، بيستعد يروح الشركة وهو حاسس بنصر وهمي. كان فاكر إن أنا دلوقتي قاعدة في بيت أبويا ببكي وبتحايل على قرايبي يتدخلوا عشان أرجعله.

فجأة، الباب الخارجي للعمارة خبط بتهديم. مش خبط طبيعي، ده كان رزع يبين إن فيه مصيبة واقفة على الباب.

الحاجة صفية اتخضت: “مين المجنون اللي بيخبط كده في الصباحية؟”

ناصر فتح الباب وهو متنرفز: “فيه إيه يا جدع أنت؟ أنت فاكر نفسك في…”

الكلام وقف في زوره.

قدام الباب ما كانش فيه ندى الضعيفة المكسورة. كان فيه محضر من المحكمة، وجنبه محامي أبويا، الأستاذ فريد، ومعاهم أمين شرطة واثنين أفراد أمن العمارة، وأنا واقفة وراهم.. لابس بالتو أسود، وحاطة نظارة شمس، وباصة له بمنتهى البرود.

“أستاذ ناصر الدين؟” المحضر قالها وهو بيفتح محفظة أوراق رسمية.

ناصر اتوتر ورجع خطوة لورا: “أيوه.. خير؟ فيه إيه؟”

“معانا أمر قضائي بالتمكين الفوري للسيدة ندى حسين عبد المجيد من الشقة رقم 4، وإخلاء العين من أي شاغلين غير ذي صفة، بناءً على البند 12 من عقد الملكية المسجل برقم 4587 شهر عقاري.”

نهى طلعت تجري من الصالون والروب مفتوح، والحاجة صفية جت وراها وهي بتصرخ: “تمكين إيه وأمر إيه؟! دي شقة ابني! هو اللي بيدفع أقساطها كل شهر من دم قلبه!”

الأستاذ فريد المحامي قرب خطوة، وطلع صورة طباعة طبق الأصل من العقد، وحطها في وش ناصر: “الأقساط دي التزام شخصي عليك يا أستاذ ناصر، تقدر تدفعها وأنت بره. إنما الشقة؟ ملك خالص للسيدة ندى. ومعاك بالضبط نص ساعة تلم فيها هدومك أنت والست الوالدة والأنسة.. وإلا أمين الشرطة هينفّذ الإخلاء بالقوة الجبرية بتهمة الغصب والاعتداء على ملكية خاصة.”

وش ناصر تحول للون الأسود. بصلي بذهول ورعب، عينيه كانت بتتحرك بيني وبين الورقة زي المخبول: “ندى.. أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ أجننتي؟ كبرتي الموضوع ليه؟”

قربت منه خطوة واحدة، وشلت النظارة من على عينيا، وقلت له بصوت واطي جداً بس يقطع كالموس:

“أنا ما كبرتش حاجة يا ناصر.. أنت اللي صغرت قوي. افتح الشنط السودا اللي رمتلي فيها هدوم بنتك، ولم فيها كرافتاتك وهدوم الهانم.. عشان الباب اللي اتقفل في وش فريدة بالليل، مش هيتفرد لك تاني طول عمرك.”

اللي حصل في النص ساعة دي كان دراما سينمائية تسوى ملايين.

الحاجة صفية كانت بتصوت وبتدعي عليا في الممر، ونهى بتجري تلم ميك أب أداواتها وهدومها في شنط سفر وهي بتعيط من الفضيحة قدام أمن العمارة والجيران اللي بدأوا يخرجوا للشبابيك يتبصصوا.

ناصر كان بيحاول يكلم أبوه، يكلم محاميه، بس كل محامي يكلمه ويقرأ العقد يقوله: “يا ناصر بيه العقد مخروم من ناحيتك، حماك السابق لافف الحبل حوالين رقبتك قانوناً.. اطلع بالتي هي أحسن بدل ما تبات في القسم.”

خرج ناصر وأمه ونهى من العمارة.. مش في عربية فارهة، لا، وهم شايلين شنطهم بإيديهم والكسرة مغطية وشوشهم قدام بوابين الشارع كله.

بس أنا ما اكتفيتش بكده. الخيانة والذل اللي شفتهم في ليلة الساقعة ما كانوش يتردوا بشقة بس.

بعد أسبوع واحد، ناصر اكتشف إن البند 12 ما كانش المطب الوحيد.

أبويا كان حاطط شرط جزائي في عقد الشركة اللي ناصر شغال فيها كمدير إقليمي، لأن أبويا كان واحد من كبار المساهمين في الشركة دي من غير ما ناصر يعرف. أبويا قدم للرئيس التنفيذي للشركة ملف كامل بالتحويلات المالية اللي ناصر كان بيحولها من الحسابات المشتركة لحساب نهى الشخصي تحت مسمى “استشارات تسويقية”.

في يوم الأحد الصبح، ناصر دخل مكتبه الفخم في القرية الذكية، لقاة الحراسة مستنيينه.

“أستاذ ناصر.. اتفضل معانا على مكتب التحقيق القانوني. تم إيقافك عن العمل وتحفيز جميع صلاحياتك بتهمة الاختلاس واستغلال النفوذ.”

في نفس اليوم، نهى أول ما عرفت إن ناصر اتطرد من شغلانه وإن الحسابات اتحفظ عليها، مسحت أرقامه وجمعت حاجتها وسابت الشقة المفروشة اللي كان مأجرها لها، واختفت كأنها ما ظهرتش في حياته.

بعد ستة أشهر.

الجو كان صيف داهم في القاهرة.

كنت قاعدة في كافيه راقي في المعادي، قدامي لابتوب ومجموعة تصاميم جديدة لشركة الإعلانات الخاصة اللي فتحتها بدعم من أبويا وبجهدي الذاتي. رجعت ل شغلي، ورجعت صحتي، وفريدة بنتي كبرت وبقت تبتسم كل يوم من غير خوف.

الباب فتح، ودخل ناصر.

ما كانش ناصر المدير الإقليمي ببدلته الكستناء وساعته الدهب. كان خاسس يجي 15 كيلو، شعره ملوح بالبياض، ولابس قميص مكرمش ومبهدل.

قعد قدامي على الترابيزة من غير ما أستأذن.

“ندى.. أرجوكي.” قالها وصوته المبحوح بيترعش.

بصيت له ببرود ورفعت فنجان القهوة: “خير يا أستاذ ناصر؟ المحامي بتاعك قال إنك عايز مقابلة ودية عشان قضايا النفقة.”

“نفقة إيه وشقق إيه!” ناصر حط إيديه على الترابيزة وبدأ يبكي، بكاء راجل اتكسر تماماً. “أنا اتقرست يا ندى.. أُمي تعبانة في السرير ومش عارفين ندفع مصاريف المستشفى، وأنا عليا أحكام بسبب أقساط الشقة اللي مش قادر أدفعها، والشركة رفعت عليا قضية رد مبالغ.. نهى سابتني وسرقت الساعة والفلوس اللي كانت معاها، وأنا بقيت بمتلكش جني واحد في جيبي! أرجوكي سامحيني.. أرجوكي ارجعيلي عشان خاطر فريدة.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى