
سمعت تنهيدة إغماءة فرج منه عبر الهاتف: “عشاء؟ في الماريوت؟ والحاج متولي هيوقع هناك؟”
“أه.. وقاللي عزيمة خاصة جداً. حتى طلب مني أعزم ندى.. عشان هي صاحبتك وصاحبتي وتفرح معانا بالنجاح ده.”
ساد الصمت على الخط لثوانٍ. شعرت بتردده، بخوفه المفاجئ.
“ندى؟ بس ندى مالها ومال شغلك مع بابا؟”
“إيه يا هشام؟ ندى دي أختي اللي ما جابتهاليش أمي، وهي اللي كانت معايا في كل خطوة. ولا أنت مش عايزها تفرح لنا؟”
“لا.. لا طبعاً! عزيمة ممتازة.. هكلمها وأبلغها. نتقابل الساعة 9 في الماريوت.”
قفلت الخط. أخذت نفساً عميقاً. كانت القطع تتجمع على رقعة الشطرنج، وكل خطوة كانت محسوبة بالمليمتر.
اتصلت بنظرائي في مركز تجميل شهير، وقضيت الساعتين التاليتين أستعد. لم أرتدِ الأسود كمن يحد. ارتديت فستاناً أحمر صارخاً من الستان المنسدل، يقطع عتمة المكان، ووضعت أحمر شفاه قانيا ورفعت شعري في كعكة كلاسيكية مرفوعة. كنت أبدو كملكة تتأهب لاعتلاء العرش، وليس كزوجة مخدوعة على وشك الطلاق.
الساعة التاسعة تماماً. قاعة الطعام الخفية في فندق الماريوت بالزمالك.
الطاولة الكبيرة كانت مزينة بالشمعدانات الفضية والورود البيضاء. يجلس على رأس الطاولة الحاج متولي، بجلابيته العباءة القصب الفاخرة وهيبته التي تمشي أمامه، وعن يمينه الأستاذ فاروق وبيديه حقيبة أوراق جلدية.
دخل هشام وندى معاً.
كان هشام يرتدي أبهى حله، لكن وجهه كان يشي باضطراب خفي. أما ندى.. فكانت ترتدي فستاناً واسعاً بقماش خفيف، محاولة إخفاء انتفاخ بطنها الصغير، وكانت عينها تتنقل في المكان بحذر كحيوان يخشى المصيدة.
“أهلاً أهلاً.. اتفضلوا”، قال الحاج متولي بصوت جهوري وهو يشار إليهما بالمقاعد.
جلست ندى أمامي مباشرة. كانت تجنب النظر في عيني.
“سارة.. طالعة زي القمر النهاردة”، قالت ندى بنبرة ملائكية مسمومة، وهي تمد يدها لتلمس يدي فوق الطاولة.
سحبت يدي بلطف ليرتفع فنجان الماء: “شكراً يا ندى.. عينيكي هي اللي حلوة. العريس شكله مبسوط النهاردة.”
جمدت ندى في مكانها، ونظر هشام لي بسرعة: “العريس؟ قصدك أنا؟”
ابتسمت ابتسامة عريضة: “قصدي النجاح يا هشام.. النجاح عريس أي راجل طموح زيّك.”
تم طلب الطعام، وجرت الأحاديث الرسمية. كان هشام ينظر كل دقيقة إلى ساعته وإلى فاروق المحامي، كأنه يستعجل اللحظة التي يرى فيها القلم يلمس الورق.
أخيراً، أخرج الأستاذ فاروق أوراق العقد ووضعها وسط الطاولة.
“طب يا جماعة”، بدأ فاروق الحديث، “عشان ننجز، ده عقد الشراكة النهائي وتعهد الضخ المالي بمبلغ 200 مليون جنيه مصري من مجموعة المتولي لحساب شركة نوڤا.”
اللمعة التي ظهرت في عيني هشام في تلك اللحظة كانت كافية لتكشف كل قبحه. مد يده كأنه يريد خطف الأوراق.
“بس في حاجة بسيطة الأستاذ هشام محتاج يوقع عليها الأول”، تابع فاروق ببرود، “إقرار بتسلم المبالغ وشروط الصرف.”
“أنا جاهز أوقع على أي حاجة!” قالها هشام بسرعة ودون تفكير.
“استنى يا هشام”، تدخل الحاج متولي بصوته الصارم، “اقرأ الأول. القراءة ميزان.”
أخذ هشام الورقة، وبدأ يقرأ. كانت عيناه تنتقلان بين السطور بسرعة، وفجأة.. توقفت عيناه. بدأت قطرات العرق تتجمع على جبينه، وتغير لون وجهه من المحمر إلى الأصفر الشاحب.
“إيه.. إيه الشرط ده؟” قال بصوت متلجلج.
“خير يا هشام؟” سألت أنا بنبرة بريئة، “في بند مش عاجبك؟”
“البند ده بيقول إن التحويل مش كاش.. ده تحويل أصول وديون! وبيقول إن شركة المتولي اشترت كافة ديون شركة نوڤا لدى الموردين والبنوك، وإن الـ 200 مليون هيتم خصم المديونيات منها فوراً، والباOrder الصافي هيكون رهناً بتدقيق جنائي مالي لجميع حسابات الشركة عن السنتين اللي فاتوا!”
وقعت الكلمات كالصاعقة على ندى التي انتصبت في جلستها، ونظرت لهشام برعب.
“تفتيش جنائي؟” زمجر هشام وهو يقف، “ده مش العقد اللي اتفقنا عليه يا حاج متولي! أنت كدة بتكتفني!”
هنا.. وضعت السكين والشوكة من يدي برفق. أحدثت الرنة الصوتية الخفيفة صمتاً أطبق على الطاولة.
نظر إليّ الجميع.
“هشام..” قلتها ببطء، وأنا أنظر بثبات داخل عينيه، “أنت ليه زعلان؟ مش أنت كنت بتقول لندى مبارح في التليفون إن سارة هبلة وعاطفية وبتثق في الخيال؟ ومش أنت كنت مستني الـ 200 مليون يتردوا في الحساب عشان ترمي لي ورقتي وتسافر مع ندى وابنكم اللي في بطنها؟”
هبط الصمت كالجبل على القاعة.
انقطعت أنفاس هشام. اتسعت حدقتا عينيه كأنه يراني لأول مرة. ألتفت ندى نحوه بوجوم مخيف، ثم نظرت إليّ ووجهها قد خلا تماماً من أي قطرة دم.
“سـ.. سارة.. أنتِ بتقولي إيه؟” تلعثم هشام وهو يحاول الابتسام، لكن شفتيه كانتا ترتجفان بوضوح، “أنتِ أكيد فاهمة غلط.. أكيد في حد بيوقع بينا!”
أخرجت هاتفي المحمول، ووضعته على الطاولة. أضغطت على زر التشغيل.
خرج صوته الرخيص عبر المكبر، يملأ القاعة الفاخرة:
*”يا ندى اهدي خالص، أول ما الـ 200 مليون بتوع الحاج يتردوا في حساب الشركة، ورقتها هتجيلها لحد عندها، والطلاق هيبصم عليه… سارة دي هبلة وبتثق في الخيال، تربية الحاج متولي بقى… عاطفية وفاكرة إن الجواز ده رباط مقدس!”*
ثم صوت ندى: *”أنا حامل!”*
ثم صوت هشام بحنية: *”انتظري بس، هانت أهو.”*
أوقفت التسجيل.
كانت ندى تغطي وجهها بيديها وتبكي بانهيار، بينما كان هشام واقفاً كالمقضى عليه بالإعدام، يده ترتجف فوق الطاولة، وغير قادر على نطق كلمة واحدة.
الحاج متولي لم يتحرك من مقعده. سحب نفسًا جديداً من الشيشة المطفأة، ثم نظر إلى هشام وقال بصوت خفيض كالرعد البعيد: “أنت فاكر إنك جيت الزمالك وشربت من نيلها فبقيت ابن ناس؟ أنت مجرد عيل جاحد، طمعت في نعم غيرك، ونسيت إن اللي رفعك يقدر يرميك في السفل.”




