روايات وقص

د بلاط الزمالك

وقف الأستاذ فاروق وسحب الأوراق: “أستاذ هشام.. بما إنك رفضت توقيع العقد، ومما يعني إنك غير قادر على سداد مديونياتك للشركات الموردة اللي أصبحت ملكيتها بالكامل للحاج متولي ابتداءً من الساعة أربعة العصر النهاردة.. فإحنا أقمنا ضدك دعاوى إفلاس وتظهير شيكات بدون رصيد بقيمة 45 مليون جنيه.”

“إفلاس؟” صرخ هشام وهو ينظر إليّ، “سارة! أنتِ بتعملي إيه؟ ده بيتي وشركتي! أنا جوزك!”

“كنت جوزي”، أجبته وأنا أقف وأصلح فستاني الأحمر بكل هدوء، “لحد الساعة 2:13 دقيقة امبارح بالليل. بعد السلسلة دي أنت بقيت مجرد حشرة حفرت قبرها بإيديها.”

التفت إلى ندى، التي كانت تنتحب، وقلت لها: “ألف مبروك على البيبي يا ندى.. بس يا خسارة، مفيش 200 مليون، ومفيش مرسيدس، ومفيش فيلا في سوديك. اللي فاضل لهشام بس هو قضية إفلاس، وكلبشات في إيده خلال 48 ساعة.”

شخصت عينا ندى بنظرة كره وذهول، والتفتت لهشام تصرخ فيه: “أنت مش قلت لي كل حاجة متأمنة؟ أنت مش قلت لي أبوها بيموت فيها وهيديها الفلوس على داير مليم؟!”

“اسكتي أنتِ!” صرخ فيها هشام، ثم جثى على ركبتيه فجأة أمامي، ووصلت يده لتحيط بطرف فستاني، “سارة.. أرجوكي! اديني فرصة ثانية! أنا اتعميت.. ندى هي اللي أغرتني! هي اللي جرتني للثنية دي! أنا بحبك أنتِ!”

صدمة ندى من كلامه كانت أشد من صدمتي أنا بخيانته. وقفت صاعقة: “أنا اللي أغريتك يا واطي؟! أنت اللي كنت بتيجي تحت بيتي وبتتحايل عليا!”

بدأت المشادة بينهما، صراخ، وشتائم، واتهامات متبادلة تبددت معها كل مظاهر الأناقة والزيف. وقفت أراقب السقوط. كانا يتناحران ككلاب ضالة على قطعة لحم وهمية.

انحنيت قليلاً نحو هشام، وسحبت طرف فستاني من بين يديه المرتجفتين، وقلت بصوت لم يسمعه غيره: “عارف يا هشام؟ أنت ما نسيتش تقفل الخط امبارح بالرب صدفة.. ربنا هو اللي قفله في وشك، وعرّاك قدام نفسك.”

أشرت لوالدي: “يلا يا بابا.. المكان هنا بقى ريحته مش حلوة.”

قام الحاج متولي، ووضع يده على كتفي بحنو، وسرنا معاً نحو باب القاعة.

وقبل أن أضع يدي على مقبض الباب الخروجي، التفتت للمرة الأخيرة. كان هشام ملقى على الأرض، يحاول الإمساك بهاتفه الذي كان يرن بضراوة—كان الموردون والبنوك قد بدأوا بالفعل في الاتصال به بعد إعلان الشيكات المرتجعة. وكانت ندى تلملم حقيبتها وتخرج وهي تسبه وتلعنه، ممسكة ببطنها ودموعها تمحو ما تبقى من مساحيق تجميلها.

خرجت إلى ليل الزمالك. كان الهواء بارداً ونقياً.

“مرتاحة يا بنتي؟” سألني الحاج متولي وهو يفتح لي باب السيارة.

تنفست بعمق، ولأول مرة منذ سنتين، شعرت بأن ريتي تستوعبان الأكسجين كاملاً.

“مرتاحة يا بابا.. بس المشوار لسه ما خلصش.”

ركبت السيارة، وبينما كنا نبتعد عن الفندق، لمس هاتفي المحمول إشعاراً جديداً. لم يكن من هشام، ولا من ندى.

كانت رسالة بريدية إلكترونية من رقم غير معروف، تحتوي على ملف صوتی ملحق، ومكتوب أسفله عبارة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي مرة أخرى:

*”فاكرة إن هشام وندى هما بس اللي كانوا بيلعبوا بيكي؟ افتحي الفايل ده وشوفي مين اللي جاب هشام لشركتك من الأول.. ومين اللي دفع لندى عشان تدعم الخطة.”*

ترددت أصابعي فوق الشاشة، والسيارة تنطلق بنا في ظلام الصحراوي..

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى