
تجمّدت الدماء في عروقي وأنا حاطّة إيدي على عصاية الطيران. نفس الملمس، نفس السخونة اللي بتسري في جسمي أول ما بتلامس أصابعي المعدن. بس المرة دي مفيش بدلة طيران، مفيش خوذه، ومفيش “طارق” في الجهاز بيضحك ويقولي: “وريهم يا ندى هتعدي الزاوية دي إزاي”.
صوت تخبيط الباب بره كان بيزيد، كأنه ضرب نار. الأستاذ شريف بيصرخ في الميكروفون الخارجي، صوته جاي متقطع ومجروح بالغل:
— افتح الباب يا سامح! أنا مدير العمليات! الطيارة دي لو منزلتش حالاً في أقرب مطار حرب، الشركة هتتدمر! افتح بدل ما أهتك الشفرة الاستثنائية!
سامح بصلي وهو بيمسح العرق اللي نازل على حواجبه، شفايفه كانت بترتعش:
— ندى.. شريف معاه كارت الشفرة الحمرا. لو ضربه في اللوحة، الباب هيتفتح آلياً بعد تسعين ثانية، مفيش نظام في الطيارة يمنعه!
— تسعين ثانية؟ — ردت عليه وأنا عيني بتتمرجح بين لوحة الضغط ورادار الطقس — تسعين ثانية كافيين جداً إننا نعرف هو خايف من إيه. بص على شاشة الملاحة يا سامح، إحنا فين بالظبط؟
سامح حرك صباعه على الشاشة وهو بيحاول يتنفس:
— إحنا فوق البحر الأبيَض المتوسط.. فاضل نص ساعة ونعدي الحدود الجوية المصرية، طالعين على إسبانيا.
— لأ.. إحنا مش طالعين على إسبانيا — قلتها وأنا بفصل نظام الطيران المساعد وبمسك التحكم المباشر Manual Control — الطيارة دي كانت بتتجر لزاوية سقوط عمياء. الشفرة اللي فصلت الطيار الآلي مكنتش عطل، دي كانت أوامر متسجلة بتخلي الطيارة تنزل تدريجياً من غير ما تحس لحد ما تدخل في منطقة المدى الميت للرادارات.. منطقة “الأقباط البحرية”.
سامح تنّح:
— أنتِ بتقولي إيه؟ دي طيارة ركاب شارتر! فيها 300 بني آدم!
— والأستاذ شريف مش فارق معاه الـ 300 بني آدم — كملت وأنا بفرك فكي بقسوة — شريف فارق معاه الصندوق اللي في بطن الطيارة.
صفارة الإنذار ضربت تاني، أحمر فاقع مالى الكابينة.
توت.. توت.. توت!
الراية الحمرا على اللوحة نورت: Warning: Cargo Hold Pressure Loss / Fire Detection System Override.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت بييييب طويلة من الباب. شريف ضرب كارت الشفرة الحمرا. العداد التنازلي بدأ على الشاشة الصغيرة فوق الباب: 89.. 88.. 87…
الدكتور اللي ورايا صرخ وهو ماسك جسم المساعد المغمى عليه:
— يا جماعة الراجل ده نبضه بيقع! السم اللي اتسمم بيه بيعمله شلل في القفص الصدري! لازم ننزل فوراً!
— مفيش نزول دلوقتي! — صرخت وأنا بشد العصاية ناحيتي وبصحي المحرك التاني اللي كان بيقطع — سامح! هاتلي أجهزة الاتصال الحربي! التردد 121.5 أو تردد الطوارئ الاستراتيجي للجيش المصري!
سامح بصلي برعب:
— التردد ده مقفول بسيرفرات الشركة! شريف مشفر كل الأجهزة!
— يبقى هنسوق بالطريقة القديمة.. الطريقة اللي اتعلمتها وأنا بدفن أصحابي! — شديت حزام الأمان على آخره لما الطيارة اتهزت هزت عنيفة للجنب الشمال.
العداد: 60.. 59.. 58…
التفت لورا وقلت للدكتور وللمضيفة اللي واقفة مرعوبة:
— اسمعوني كويس. أول ما الباب ده يتفتح، شريف مش هيكون لوحده. مدير عمليات يوصل لمرحلة إنه يسبم طيار عشان يوقع طيارة، يبقى معاه رجالة جوه الطائرة. أمن الصالة أو حد متأجر. أقفلي باب المطبخ الأمامي بالتراباس الداخلي، وزقي عربية الأكل ورا الباب! فوراً!
المضيفة جريت بره والكابينة اتهزت تاني.
أنظر للوحة القيادة. الذكريات بدأت تهاجمني زي السيل. من سنة ونص، نفس الصوت ده.. نفس صفارة الهيدروليك. طائرة إف-5 اللي كان فيها طارق كانت بتسرب هيدروليك بنفس الطريقة بعد ما خرجنا من مهمة دورية مشبوهة قرب الحدود. يومها، طارق قال في اللاسلكي قبل ما صوته يختفي: “ندى.. اللوحة مش بتستجيب.. الأوامر جاية من بره الطيارة.. السيستم مبقاش بتاعنا!”.
يومها افتكرت إن صليخ صواريخ هو اللي جابه، أو عطل مصنعي نادراً ما يحصل. بس النهاردة، وفي طيارة مدنية، بعد سنة ونص.. شفت نفس التشفير! نفس الشاشة اللي بتديني قراءة كاذبة للضغط عشان أضغط على بدال الشمال وألبس الطيارة في المية!
— شريف مكنش مستهدف الطيارة دي بالصدفة — همست بصوت واطي جداً.
سامح سمعني:
— بتقولي إيه يا ندى؟
— شريف عارف إن أنا على الطيارة! التذكرة اللي حاجزتها في أخر لحظة من القاهرة.. اسمي ندى سعيد، المقدم ندى سعيد. المانيفستو بتاع الرحلة بيمر على مكتبه! هو طفي السيرفرات وعطل الطيار الآلي وهو عارف إن مفيش حد هيعرف يكتشف الملعوب ده إلا طيار حربي شاف الحركة دي قبل كده.. أو إن الطيارة تقع ويسجلوا الواقعة: “عطل فني ومات الجميع”!
العداد: 30.. 29.. 28…




