روايات وقص

د جنينه الفيلا

الكل سكت تمامًا، الهوا نفسه في جنينة الفيلا مابقاش بيتحرك. المعازيم اللي كانوا ماسكين شوك الجاتوه في نص الهوا ثبتوا إيديهم، والطنطات اللي كانوا بيمصمصوا شفايفهم وعيونهم بتاكلني من الشفقة اتسمروا في مكانهم. البوابات الخشبية الكبيرة كانت بتتفتح ببطء، وعملت صوت حفيف على النجيل الأخضر المقصوص بالمسطرة، كأنها بتعلن عن بداية العرض الحقيقي اللي محدش كان عامل حسابه.

من ورا البوابة، ظهرت دادا رضا. كانت لابسة فستان كحلي شيك ومرتب، وفي إيدها اليمين والشمال ماسكة تلات تواءم، ولدين وبنت زي الفل، وشوشهم مدورة وبيضا وعيونهم بتلمع بشقاوة الأطفال اللي لسه ميعرفوش يعني إيه لؤم البشر. كانوا لابسين لبس طقم واحد، بناطيل جينز وتيشرتات بيضا براند نظيف جدًا، والبنت الصغيرة رابطة شعرها بفيونكة حمراء رقيقة.

الأطفال أول ما شافوا المساحة الواسعة والورد والبالونات الملونة اللي مالي المكان، فلتوا إيديهم من دادا رضا وجريوا على النجيل وهما بيضحكوا بأعلى صوت عندهم. صوت ضحكاتهم كان زي جرس بيصحي الناس من صدمتهم.

“مامي! مامي!”.. تلات أصوات بريئة رنوا في الجنينة وهما بيجروا عليا.

أنا نزلت على ركبي، فتحت دراعاتي على آخرهم، واستقبلت الصدمة الجميلة دي في حضني. التلاتة اترموا فوقيا، وبقوا يبوسوا في وشي ويضحكوا، وأنا ضمتهم لقلبي جامد، وشميت ريحتهم اللي بتسوى عندي الدنيا وما فيها. ريحة البودرة والنظافة والانتصار.

وقفت وأنا ماسكة إيد البنت، والولدين واقفين جنب رجلي وباصين للمعازيم بفضول. بصيت لمامتـي، ليلى الهواري.

المنظر وقتها كان يستاهل يتصور ويتبروز. مامتـي اللي كانت من دقيقة واحدة واقفة بتباهي وبغرور، فجأة وشها اتقلب ألوان. الفك بتاعها سقط لتحت، وعينها طلعت لبرة وهي بتبص للأطفال، وبعدين تبصلي، وبعدين تبص لدادا رضا. ملامحها اتخشبب، وكأن الدم هرب من عروقها كلها في ثانية واحدة. الكاس اللي كان في إيدها اتهز، ونقط من العصير شوهت فستانها الشيفون الغالي، بس هي مكنتش حاسة بأي حاجة من دي.

الطنطات حواليها بدأوا يهمسوا، بس المرة دي الهمس كان زي خلية النحل اللي اتقلبت:

“يا نهار مش فايت! مين العيال دول؟”

“هي ماريانا خلفت من ورا بـنا؟”

“دول شبهها بالملي! شوف البنت عيونها واسعة وزي عيون ماريانا بالظبط!”

“جرى إيه يا ليلى؟ أنتِ مش قلتي بنتك شجرة ناشفة؟”

أنا فضلت مثبتة عيني في عين مامتـي. الابتسامة اللي كانت صعبة عليا من شوية، دلوقتي بقت سهلة وطبيعية وبتطلع من كل قلبي.

“مين دول يا ماريانا؟” مامتـي نطقت الكلمة بالعافية، صوتها كان حشرجة مكتومة، كأن حد بيخنقها. حاولت تحافظ على برستيجها قدام صحباتها، بس رعشة إيدها فضحتها تمامًا.

قبل ما أرد، دينا أختي قامت من على كرسي العرش بتاعها. رغم بطنها الكبيرة وتعبها، مشيت كام خطوة وبصت للأطفال وعينها دمعت، بس المرة دي مكنتش دموع شفقة، كانت دموع ذهول وفرحة. “ماريانا.. دول.. دول ولادك؟”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى