
هنا دخلت دادا رضا وهي شايلة شنطة ألعاب الأطفال الكبيرة، وقفت جنبي وقالت بصوت مسموع لكل اللي واقفين: “بسم الله ما شاء الله عليهم يا ست هانم، تبارك الخلاق فيما خلق. سليم وآدم ونور.. تعبوني في العربية بس أول ما شافوا مامتهم جريوا عليها.”
أنا طبطبت على راس سليم وقلت وأنا باصة لمامتـي وبقفل الدائرة اللي هي فتحتها: “آه يا ماما.. دول ولادي. سليم وآدم ونور. تلات سنين ونص برا مصر مكنتش قاعدة فيهم بعيط على أطلال الماضي، ولا كنت مستنية حد يحن عليا بكلمة طيبة. أنا كنت ببني حياتي، وبعمل اللي الدكاترة بتوعك قالوا عليه مستحيل.”
مامتـي خطت خطوة لقدام، وعينها بتروح وتيجي على العيال بإنكار رهيب، كأنها بتشوف شبح. “مستحيل.. أنتِ مكنتيش بتخلفي! حازم سابك عشان التحاليل! الدكاترة في مصر كلهم قالوا..”
“الدكاترة في مصر قالوا صعب، مش مستحيل،” قاطعتها بصوت ثابت وقوي، صوت ميعرفش الانكسار. “بس برة مصر، في المستشفى اللي قضيت فيها سنتين علاج وهرمونات وعمليات مكنتش بحكي عنها لحد، ربنا أراد. أراد يديني تلاتة مرة واحدة عشان يعوضني عن كل كلمة تجريح، عن كل نظرة نقص شوفتها في البيت ده.”
المعازيم بدأوا يتحركوا من مكانهم، الصدمة اتحولت لفضول ومباركات محروقة. طنط شاهيناز، صاحبة مامتـي الانتيم واللي كانت من دقيقة بتبصلي بقرف، جريت عليا وقالت بضحكة صفرا: “يا حبيبتي يا ماريانا! بسم الله ما شاء الله! قمر يا ناس، شبهك وأنتِ صغيرة بالظبط! مبروك يا ليلى، بقيتي جِدة لتلاتة مرة واحدة وخبيتي علينا كل ده!”
مامتـي كانت واقفة زي التماثيل، مش عارفة ترد تقول إيه. هل تفرح وتبان إنها كانت عارفة ومخبية عشان البرستيج؟ ولا تبين إن بنتها قطعت علاقتها بيها لدرجة إنها تخفي عنها خبر حملها وولادتها وتخلي شكلها وحش قدام مجتمع التجمع كله؟ الكبرياء بتاعها كان بيتفرفد قدام عيني، حتة حتة.
في وسط الزحمة دي، ظهر بابا. روبرت الهواري، الراجل اللي شعره شاب من كتر الهم، بس عينه دايماً كانت مليانة حنية مكنش بيعرف يظهرها بسبب تسلط مامتـي. بابا جه من ورا المعازيم، وشاف الأطفال، وشه نور بضحكة أنا مشوفتهاش على وشه من سنين.
نزل على الأرض وهو بيركع قدام العيال، ومد إيده ليهم: “تعالوا.. تعالوا في حضن جدو.”
نور الصغيرة، اللي دايماً بتلقط القلوب الطيبة، جريت عليه واترمت في حضنه. بابا ضمها وعينه مليانة دموع، وبصلي وقال بصوت مخنوق: “نورتي بيتك يا ماريانا.. ونورتي قلبي يا بنتي.”
أنا عرفت ساعتها ليه بابا بعتلي الرسالة وقال لي “أختك محتاجاكي وأنا كمان”. بابا كان عارف. كان متابعني من بعيد لبعيد من ورا مامتـي، وكان عارف إن ده الوقت المناسب عشان أرجع وأكسر عين كل اللي ظلموني.
مامتـي لما شافت بابا بيحضن العيال، حست إن البساط بيتسحب من تحت رجليها تماماً. الحفلة اللي كانت عاملاها عشان تتباهى بـ “وريث عائلة الهواري” اللي في بطن دينا، اتقلبت وبقت حفلة استقبال لولاد ماريانا “الشجرة الناشفة” اللي رجعت محملة بالثمر.
قربت من مامتـي، لغاية ما بقيت واقفة قدامها بالظبط. الأطفال كانوا بيلعبوا مع بابا ودينا، والمعازيم ملتهيين بيتكلموا ويصوروا بالموبايلات. بصيت في عين ليلى الهواري، وقلت لها بصوت واطي ميسعمهوش غيرها: “المكسور مش اللي مبيخلفش يا ماما. المكسور هو اللي قلبه فاضي من الرحمة لدرجة إنه يشمت في بنته قدام الناس عشان يرضي غروره. أنا مش مكسورة، ولا عمري كنت. وأهو اسم وعزوة الهواري جم تلاتة مرة واحدة، بس من الفرع اللي أنتِ قاطعتيه.”
مامتـي بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت ترجع قناع الهدوء لوشها، وقالت بنبرة فحيح: “فاكرة نفسك انتصرتي؟ تفتكري لما تجيبي عيال من برة من غير ما حد يعرف، الناس هيرحموا اسمك؟ هيقولوا إيه عن واحدة اختفت سنتين ورجعت بتلات عيال؟”
ضحكت من كل قلبي، والضحكة دي غاظتها أكتر. “خليهم يقولوا اللي يقولوه. ورقي رسمي، جوازي من جوزي اللي ساندني وحماني هناك رسمي، وشهادات ميلاد العيال موثقة من الخارجية. مفيش في حياتي حاجة تستخبى. الدور والباقي على اللي عايش في كدبة وخايف الناس تشوف حقيقته.”
وقبل ما مامتـي تستوعب جملتي الأخيرة، سيبتها ومشيت رحت لدينا. دينا كانت قاعدة بتلاعب آدم وسليم، وشكلها كان فرحان بجد. أختي الصغيرة مكنتش شبه مامتـي في قسوتها، كانت بس ضعيفة وبتخاف منها.
“دينا، أنا جيت عشانك وعشان بابا،” قلتلها وأنا بطبطب على كتفها. “ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يقومك بالسلامة.”
دينا بصتلي وعينها مليانة كلام كتير، همستلي: “أنا أسفة يا ماريانا.. أسفة على كل حاجة ماما قالتها وعملتها، وأسفة إني سكت.”
“ماتتأسفيش يا دينا، كل واحد بيشيل شيلته. المهم دلوقتي ركزي في ابنك وصحتك.”




