روايات وقص

د فتحت عيني على الاجهزه

فتحت عيني وصوت الأجهزة حواليا كان عامل زي زن تيلفون مبيفصلش، ريحة اليود والمستشفيات كانت مغرقة المكان، وأول حاجة حسيت بيها كانت دفا غريب في أطرافي، دفا مكنتش مصدقة إنه ممكن يرجعلي تاني بعد ليلة التلاجة الملعونة. حاولت أتحرك، بس جسمي كله كان مكلبش ومكسر وكأني كنت تحت عجل قطر. صرخت فجأة من غير ما أحس، صرخة مكتومة طلعت من حنجرتي الناشفة: “عيالي! ولادي فين؟ شريف خد الرضيعين؟”

 

في ثواني، لقيت ست تانية خالص واقفة فوق راسي، لابسة لبس ممرضات شيك جداً، وبتهديني وبتقولي بصوت واطي: “حمد الله على السلامة يا مدام نادية، اهدي خالص، ولادك زي الفل في الحضانة، والباشا بره مش هيمشي غير لما يطمن عليكي”.

الباب اتفتح ببطء، ودخل سليم الرشيدي. الملياردير اللي صوره بتملى جرايد الاقتصاد، الراجل اللي كنت بشوفه في التلفزيون وهو بيفتتح مشاريع بمليارات. مكنش لابس الجاكيت بتاعه، قميصه الأبيض كان مبهدل وفيه بقع دم ناشفة.. دم ولادي ودمي أنا. ملامحه كانت حادة وعينيه سودا وواسعة، وفيها نظرة غريبة.. مزيج من الغل الأعمى والخوف الحقيقي عليا.

قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وبصلي ونطق بصوت رخيم وهادي، بس الهدوء ده كان وراه بركان: “حمد الله على سلامتك يا نادية. ولادك أحمد وسارة كويسين، الدكاترة لحقوهم من زرقان السقيع، وهما دلوقتي في أحسن حضانة في مصر على حسابي. شريف مش هيلمس شعرة منهم، ولا منك تاني”.

أنا كنت لسه مشوشة، ريقي ناشف ودموعي نازلة على مخدي. بصيت له وقولت بتأتأة: “إنت.. إنت مين؟ وكنت بتعمل إيه في مخازن أبو رواش الفجر؟ شريف فين؟ هو شريف اللي بعتك عشان تخلص عليا؟”

سليم ضحك ضحكة قوية ومريرة، ضحكة هزت كتافه العريضة، وقام وقف وبص من شباك الأوضة اللي كان كاشف النيل: “شريف؟ شريف ده حشرة، أصغر بكتير من إنه يبعت سليم الرشيدي في مشوار. شريف دلوقتي محبوس في مكتب أمن المخازن، رجالتكتفوه وعملوا معاه الواجب لحد ما البوليس يوصل، بس أنا أخرت البوليس شوية عشان كنت عايز أسمع منه هو عمل كده ليه بالظبط. ولما عرفت قصة بوليصة التأمين والاتنين مليون جنيه.. عرفت إن الجوازة دي كلها من أولها لآخرها كانت ملعوبة عليكي”.

سكت شوية، وأنا قلبي كان بيدق زي الطبلة. سألت بلهفة: “ملعوبة عليا؟ يعني إيه؟ أنا شريف خطبني من تلات سنين لما كنت شغالة سكرتيرة في شركة المقاولات الصغيرة، واتجوزنا عادي.. إيه علاقتك إنت بالموضوع؟”

سليم لف ليا، وحط إيده في جيبه، وبص في عيني مباشرة وقال الكلمة اللي وقعت عليا زي الصاعقة: “علاقتي بالموضوع إنك مش نادية مصطفى اليتيمة اللي ملهاش حد في الدنيا زي ما شريف والملجأ فهموكي وأنتي صغيرة. إنتي نادية الرشيدي.. أختي الصغيره من أبويا، والوريثة الشرعية لتلت ثروة ومصانع الرشيدي للحديد والصلب”.

الدنيا لفت بيا، والأجهزة اللي متوصلة بصدري بدأت تزمر بسرعة. أخت سليم الرشيدي؟ الوريثة؟ أنا اللي عشت طفولتي كلها في ملجأ في طنطا بعد ما قالولي إن أهلي ماتوا في حادثة عربية؟ أنا اللي كنت بقلب القرش عشان أجيب جهاز عروسة وفستان حمل رخيص؟

سليم كمل وهو بيضغط على سنانه: “أبويا الله يرحمه، إسماعيل الرشيدي، اتجوز مامتك في السر زمان لما كان على خلاف مع والدتي. ولما مامتك ماتت وأنتي عندك تلات سنين، أبويا خاف من الفضيحة ومن قلبة العيلة، ف حطك في الملجأ ده تحت اسم مستعار، بس ساب وصية موثقة في الشهر العقاري ومقفولة بالشمع الأحمر.. الوصية دي بتقول إنك لما تتمي خمسة وعشرين سنة، تلت الثروة كلها بتتنقل باسمك فوراً. والخمسة وعشرين سنة دول هتميهم الأسبوع الجاي يا نادية”.

مسكت في الملاية وجسمي كله بيترعش: “وشريف.. شريف عرف منين؟”

سليم وشه اسود من الغضب وقرب خطوة: “شريف كان شغال محاسب تحت إيد المحامي القديم بتاع أبويا اللي خان الأمانة. المحامي ده كشف لشريف على الوصية من سنتين، وقاله البنت دي هتبقى مليونيرة الأسبوع الجاي. شريف رسم الخطوة بالملي.. دخل حياتك، عمل نفسه الراجل الغلبان المحترم اللي هيموت عليكي، اتجوزك، وحط خطة جهنمية.. إنه يخلص منك قبل ما تتمي السن، بحيث لما تموتي، وبما إنه جوزك الشرعي وأبو ولادك، الثروة والورث والوصية كلها تتنقل ليه هو ولعياله اللي هيكون هو الوصي القانوني عليهم بعد موتك! وعشان يأمن نفسه وميصبرش لحد ما الورث يخلص، راح عمل بوليصة تأمين إضافية على حياتك باتنين مليون جنيه عشان يضمن كاش سريع يسدد بيه ديونه في القمار لحد ما يوضع إيده على المليارات”.

كنت بسمع الكلام ده وحاسة إن دماغي هتنفجر. كل لمسة، كل كلمة حب، كل حضن، كل سهر وهو بيقنعني إننا هانعدي الأزمة سوا.. كان كدب. كان بيشوف فيا رزم فلوس وشيكات. كان مستني بطني تكبر وعيالي يتولدوا عشان يقتلني ويمسك هو الفلوس!

“طب وإنت؟” سألت وسليم بيبصلي بجمود: “إنت عرفتني إزاي وجيت ليه؟”

سليم اتنهد وقعد تاني: “المحامي الخاين ده ضميره صحي فجأة لما عرف إن شريف ناوي يقتلك، أو يمكن خاف من حبل المشنقة. جالي الشركة من يومين وركع تحت رجليا وحكالي كل حاجة. قالي إن شريف واخدك المخازن بليل بحجة ورق ناقص وإنه ناوي يقفل عليكي التلاجة ويخليها تبان حادثة إهمال عشان السقيع يوقف قلبك وقلب الأجنة من غير ما يسيب أثر جنائي واضح للدكاترة الشرعيين الخايبين.. أول ما سمعت كده، دمي فار. ركبت عربيتي وجريت على أبو رواش ومعايا رجالتنا. وصلنا متأخر، كان شريف قفل الباب وقاعد في مكتبه بيشرب سجاير ومستني الوقت يعدي. رجالي دغدغوا المكتب عليه، وأنا خدت منه المفاتيح وجريت عليكي.. والحمد لله إننا لحقناكي في آخر دقيقة”.

بدأت أستوعب حجم المؤامرة، وحجم القرف اللي كنت عايشة فيه. دموعي نشفت وحل محلها غل مكنتش أعرف إنه جوايا. بصيت لسليم وقولتله: “أنا عايزة أشوف شريف. عايزة أقف قدامه وهو مكسور”.

سليم ابتسم ابتسامة رعب وقال: “هو ده كلام عيلة الرشيدي. هخليكي تشوفيه، بس مش هنا.. في النيابة. شريف دلوقتي هيدخل السجن بتهمة الشروع في قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وجريمة تانية هلبسهاله تخلي الشمس ميتشوفهاش تاني طول عمره”.

بعد تلات أيام، خرجت من المستشفى على رجليا. سليم نقلني في قصر من قصوره في التجمع الخامس، قصر يكفي عيلة بحالها. الولاد بقوا معايا، صحتهم بقت بومب، وسميتهم أحمد وسارة زي ما ناديتهم في التلاجة وسط الضلمة. كانوا هما الأمل الوحيد اللي مخليني قادرة أتنفس.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى