روايات وقص

د فتحت عيني على الاجهزه

في اليوم الرابع، سليم قالي إن النيابة طلبتني لعرض المتهم وسماع أقوالي النهائية قبل إحالة القضية لمحكمة الجنايات. لبست فستان أسود شيك جداً من الحاجات اللي سليم جابهالي، ورفعت شعري، ومسحت دموعي تماماً. مكنتش نادية السكرتيرة الغلبانة المكسورة؛ كنت نادية الرشيدي اللي رجعت من الموت.

دخلت مكتب وكيل النيابة في محكمة شمال الجيزة. شريف كان قاعد على كرسي خشب، متبهدل، وشه كله كدمات وزرقان من علقة رجالة سليم، عينيه كانت في الأرض والكلابشات في إيديه. أول ما الباب اتفتح وشافني داخلة على رجليا ولابسة اللبس الغالي ده ومعايا سليم الرشيدي وحرس بره، عينيه طلعت لبره ووشه بقى أبيض زي الأموات.

“نادية!” شريف صرخ وقام وقف، بس العسكري شده وقعده بالعافية. “نادية والله العظيم أنا اتضحك عليا! أنا كنت بعمل كده عشان نأمن مستقبلنا! الشيطان وزني! سامحيني عشان خاطر عيالنا!”

وقفت قدامه بمنتهى الثبات، ومبصتلوش بنظرة شفقة واحدة. بصيت لوكيل النيابة وقلت بصوت واضح يسمعه الكل: “يا فندم، المتهم ده مش جوزي، ده مجرم حاول يقتلني أنا وعيالي في بطني عشان يسرق ورثي ويقبض تمن دمي من شركة التأمين. أنا بطالب بأقصى عقوبة، وبقدم للمحكمة التنازل الكامل والخلع منه، ومش عايزة أشوف وشه تاني”.

شريف بدأ يصرخ ويهرتل زي المجانين وهو بيتسحب من العساكر للحجز: “مش هتلحقي تفرحي بالفلوس يا نادية! سليم مش بيحميكي عشان سواد عينيكي! سليم هو اللي…” وصوته اختفى والباب اتقفل.

كلمة شريف الأخيرة هزتني شوية، بس قولت لنفسي ده مجرم بيهرتل عشان يوقع بيني وبين أخويا اللي أنقذ حياتي وحياة ولادي.

مر الأسبوع، وجه يوم عيد ميلادي الخمسة وعشرين. اليوم الموعود.

كان فيه اجتماع كبير في المقر الرئيسي لشركات الرشيدي في الدقي. المكتب كان فاخر جداً، ترابيزة اجتماعات طويلة من الخشب الأبنوس، وقاعد حواليها مجلس الإدارة، والمحامي الكبير بتاع العيلة، وسليم قاعد في رئيس التربيزة وعلي يمين الكرسي الفاضي اللي محجوز ليا.

دخلت والكل قام وقف واحترمني. قعدت على الكرسي، والمحامي طلع الوصية الأصلية المختومة بالشمع الأحمر، وبدأ يقرأها بصوت جهوري. الوصية كانت واضحة: “تنتقل ملكية 33% من أسهم مجموعة الرشيدي، بما يعادل أطيان وعقارات وأرصدة بنكية تقدر بـ 4 مليار جنيه، إلى الابنة نادية إسماعيل الرشيدي فور بلوغها الخامسة والعشرين”.

المحامي خلص قراية، وبصلي وقال: “مدام نادية، عشان الإجراءات تكتمل وتنزل الفلوس في حسابك وتستلمي حصتك في الإدارة، لازم توقعي على ورق نقل الملكية ده، وتوقعي كمان على الإقرار المرفق”.

مسكت القلم وإيدي بتقدم، كنت حاسة إني بحلم. من تلاجة موت لمليارديرة في أسبوع! بصيت لسليم لقيت على وشه ابتسامة هادية، بس عينيه كانت مركزة على القلم بشكل غريب.. تركيز يخلي الواحد يقلق.

قبل ما أمضي، عيني جت بالصدفة على بند صغير جداً مكتوب بخط دقيق في صفحة الإقرار المرفق، بند مكنش المحامي قراه بصوت عالي.

قريت السطر في سري، ودمي هرب من عروقي تاني، بس المرة دي مكنش من السقيع.. كان من الصدمة.

البند بيقول: “في حالة توقيع الوريثة نادية إسماعيل الرشيدي على هذا الإقرار، فإنها تقر بكامل قواها العقلية بتفويض السيد سليم إسماعيل الرشيدي تفويضاً مطلقاً وغير قابل للإلغاء في إدارة وبيع وتنازل كافة حصتها الإرثية، وتعتبر أسهمها رهناً لشركته القابضة في الخارج لحين سداد ديون سابقة على والدها”.

رفعت عيني ببطء وبصيت لسليم. الابتسامة الهادية اللي كانت على وشه اختفت فجأة، وحل محلها نظرة باردة.. نفس النظرة الباردة اللي شوفتها في عين شريف قبل ما يقفل عليا تلاجة اللحمة!

فهمت كل حاجة في ثانية واحدة. شريف مكنش بيكدب في المحكمة. سليم مكنش جاي ينقذني حباً فيا ولا عشان صلة الرحم اللي افتكرها فجأة. سليم كان عارف بالوصية من زمان، وكان عارف إن لو شريف قتلني، الفلوس هتروح لشريف وعياله وتخرج بره العيلة للأبد والشركة هتتفتت. سليم كان محتاجني أعيش.. أعيش لحد ما أتم الخمسة وعشرين سنة وأمضي له على التفويض ده بكامل إرادتي، عشان ياخد الـ 4 مليار جنيه بتوعي قانونياً وبموافقتي، ويرميني تاني للشارع أنا وولادي!

المكتب كله سكت. المحامي بصلي وقالي: “اتفضلي امضي هنا يا فندم عشان نخلص”.

سليم قرب مني، وحط إيده على كتفي، وضغط عليها ضغطة خفيفة بس مرعبة، وقال بصوت واطي وناعم زي الفحيح: “امضي يا نادية.. امضي عشان تأمني مستقبل ولادك.. ومحدش يزعل”.

الورق قدامي، والقلم في إيدي، ومجلس الإدارة كله مستني. شريف كان عايز يموّت جثتي عشان الفلوس، وسليم عايز يموّت مستقبلي وياخد الفلوس وهو عامل نفسه البطل اللي أنقذني. أنا دلوقتي واقفة بين ديبين.. والاتنين أوسخ من بعض.

بصيت لسليم في عينه، وضحكت ضحكة عالية صدمت كل اللي في الأوضة، ورفعت القلم.. وقبل ما أحطه على الورق، الباب بتاع قاعة الاجتماعات اتفتح فجأة بالقوة، ودخل شخص مكنش يخطر على بال جن.. شخص قلب التربيزة على الكل!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى