روايات وقص

حكايه مروان وفاطمة ج 2

الجزء الأخير

الكاتبة ملك إبراهيم

مروان طلع المنصة، حط حاجته، ورفع عينه يعمل الحضور. عينه وقعت على فاطمة، وجنبها ولد مايل عليها وماسك موبايله فوق كشكولها.

وشه اتغير في لحظة.

مروان: انت يا أستاذ، يا اللي قاعد جنب الآنسة.

كريم رفع راسه: أيوه يا دكتور؟

مروان صوته كان عالي بزيادة عن المدرج كله: انت بتعمل إيه؟

كريم: كنت بصور المحاضرة اللي فاتت منها يا دكتور.

مروان: والمحاضرة بتاعتي بدأت، وانت لسه بتصور؟ قوم اقف.

كريم وقف وهو مستغرب.

مروان: انت وهي، اطلعوا بره. مش عايز دوشة في محاضرتي.

المدرج كله سكت وبص عليهم. فاطمة وشها بقى أحمر نار، وقامت لمت كشكولها وإيديها بتترعش.

فاطمة بصوت مبحوح: يا دكتور والله أنا..

مروان قاطعها، وعينه فيها نار أول مرة تشوفها: قولت اطلعوا بره، دلوقتي.

كريم قال: يا دكتور دي غلطتي أنا..

مروان: بره انت وهي، يلا.

فاطمة خرجت تجري من باب المدرج، والبنات بيبصوا عليها، وسمعت البنت أم بلوزة صفرا بتقول لصاحبتها: يا لهوي شفتي؟

فضلت قاعدة على سلم الكلية تعيط لوحدها نص ساعة، لحد ما المحاضرة خلصت والكل خرج.

—

رجعت البيت الساعة أربعة، فتحت الباب بالمفتاح لقت مروان قاعد في الصالة مستنيها، لسه لابس قميص الجامعة، ووشه مقلوب.

أول ما شافها قام وقف.

مروان: كنتي فين؟

فاطمة: في الجامعة..

مروان: لا كنتي فين بعد المحاضرة؟ ليه مرجعتيش على طول؟

فاطمة: كنت قاعدة تحت..

مروان صوته علي مرة واحدة: قاعدة مع مين؟ مع الواد بتاع الصبح؟!

فاطمة اتخضت ورجعت خطوة لورا.

فاطمة: لا والله، كنت لوحدي، انت طردتني قدام الدفعة كلها..

مروان: وأطردك تاني لو لزم الأمر! مش أنا قايلك إحنا في الجامعة أغراب؟ يعني إيه ولد يقعد جنبك ويصور من كشكولك ويضحك؟ انتي فاكرة نفسك فين؟

فاطمة عينيها دمعت: هو اللي قعد جنبي، وأنا قولتله يصور بسرعة عشان محاضرتك..

مروان: محاضرتي؟! وانتي مالك بمحاضرتي أصلا؟ انتي نسيتي اتفاقنا؟ نسيتي إن الجواز ده مؤقت؟ أربع سنين وتتطلقي؟ ولا خلاص صدقتي إنك مراتي بجد وبقيتي تغيري عليا في المدرج؟

الكلمة نزلت عليها زي القلم. فاطمة شهقت، والدموع نزلت غصب عنها.

فاطمة: أنا مغيرتش.. انت اللي..

مروان: أنا اللي إيه؟ أنا دكتور محترم وبحافظ على سمعتي وسمعتك، حتى لو انتي مش هامك سمعتك!

فاطمة صرخت فيه لأول مرة، وصوتها بيترعش من العياط والخوف: أنا سمعتي أشرف من أي حد تعرفه، انت اللي بتعاملني كأني حاجة عار في الجامعة، وحاجة عار في البيت!

وسابته واقف ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح، وفضلت تعيط بصوت مكتوم في المخدة.

مروان فضل واقف في الصالة، نفسه عالي، وإيده مقفولة جامد، كأنه عايز يكسر حاجة ومش عارف إيه.

الليل ده لا هي حطتله أكل قدام الباب، ولا هو خبط عليها.

—

خاصموا بعض خمس أيام كاملة.

خمس أيام في شقة واحدة. هي تخرج بدري قبل ما هو يصحى، وترجع بعد ما يسمع باب أوضته بيتقفل. الأكل بقى علب تونة تاني. والشقة رجعت ساكتة زي أول يوم.

اليوم الخامس، فاطمة كانت خارجة من آخر محاضرة، لقت كريم مستنيها عند باب المدرج، ومعاه وردة بلاستيك وعلبة شوكولاتة صغيرة، وشكله متوتر.

كريم: فاطمة، لحظة واحدة بس. أنا عارف إن اللي حصل بسببي، والدكتور بهدلنا، وأنا آسف جدا.

فاطمة: محصلش حاجة، عن إذنك.

كريم وقف قدامها بسرعة: استني، والله أنا من أول يوم شفتك فيه وأنا.. يعني.. معجب بيكي. وبصراحة أنا كلمت أمي عليكي، وهي قالت هاتي رقم أبو البنت نكلمه.

فاطمة وقفت مكانها، ومش مصدقة اللي بتسمعه.

كريم: فأنا كنت عايز أسألك.. لو مفيش مانع، تديني رقم والدك أكلمه عشان آجي أخطبك رسمي؟

الفصل الخامس: خطيبتي

فاطمة فضلت واقفة قدام كريم في طرقة الكلية، علبة الشوكولاتة في إيده بتهتز من التوتر، وهي حاسة إن الدنيا بتلف بيها.

فاطمة: تخطب.. تخطب مين؟

كريم: انتي طبعا، يا فاطمة. أنا بتكلم جد، والله. انتي بنت محترمة وباين عليكي بنت ناس، وأنا ناوي خير.

مروان كان بيسمع وساكت.

فاطمة صوتها اتكسر: بس عارف اللي يوجع بجد إيه؟ إنك أول مرة تقول قدام الناس إن أنا مراتك، كانت عشان تخلص من مشكلة، وبعدها حبستني في البيت وقلت هتربيني من أول وجديد.. ليه؟ عشان أنا بنت عمك الصعيدية اللي جت لزقت فيك غصب عنك؟

عيطت وحطت إيديها على وشها.

فاطمة: طب أنا ذنبي إيه إني.. إني حبيتك؟

الكلمة وقعت في الأوضة وسكتت كل حاجة.

مروان رفع راسه مصدوم: إيه؟

فاطمة قالتها وهي بتعيط: أيوه حبيتك، من أول يوم دخلت فيه بيتك، وانت بتحطلي الأكل قدام باب أوضتي، وانت بتشرح في المدرج وكل البنات بتبصلك وأنا بغير عليك وأنا ماليش حق أغير.. حبيتك وانت بتقولي ده جواز مؤقت أربع سنين.. حبيتك غصب عني يا ابن عمي.

مروان قام وقف مرة واحدة، ومشي رايح جاي في الأوضة، وحط إيديه في شعره.

مروان: انتي مجنونة؟ بتقولي إيه؟

فاطمة: بقول الحقيقة اللي انت خايف تقولها لنفسك.

مروان وقف قدامها، وبص لها طويل، وبعدين صوته طلع واطي ومهزوز.

مروان: وأنا.. أنا اتجننت لما شفت الواد قاعد جنبك في المدرج، مكنتش عارف أنام من الغيرة، وكنت بدور عليكي في المدرج قبل ما أدخل أشرح.. ولما سمعت إنك في أوضة العميد كنت هموت من الخوف عليكي.. ولما الواد قال خطيبتي قدام العميد، طلعت كلمة مراتي من بقي قبل ما أفكر فيها أصلا.

فاطمة بصتله ومش مصدقة.

مروان قعد على طرف السرير، ومسك إيديها اللي فيها الكانيولا بالراحة أوي.

مروان: أنا آسف.. آسف على كل كلمة قلتها، وعلى الحبسة، وعلى إني خوفتك.. أنا كنت غبي وبكابر عشان خايف.. خايف أحبك بجد وبعد الأربع سنين تمشي وتسيبيني.

فاطمة ضحكت وسط دموعها: طب ما أنا قدامك أهو، لا مشيت ولا هامشي.

مروان مسح دموعها بإيده وقال: هترجعي الجامعة، من بكرة. وكل الناس عارفة إنك مراتي، وهتفضلي مراتي.

—

وفعلا، تاني يوم الصبح، فاطمة نزلت من العمارة ومروان مستنيها تحت بعربيته، فتح لها الباب اللي جنبه.

فاطمة: إيه ده؟

مروان: اركبي يا مدام، هتروحي الجامعة مشي ولا إيه؟

وصلها لحد باب الكلية، ونزل فتح لها الباب قدام كل الطلبة. البنت أم بلوزة صفرا كانت واقفة وشافت المنظر وبلمت.

في المحاضرة، فاطمة قعدت في أول صف، ومروان طول المحاضرة عينه عليها، وكل ما تبصله يبتسم ابتسامة صغيرة ليها هي بس.

يوم ورا يوم، كان بيوصلها الصبح ويرجعها الضهر، ويذاكر لها في البيت على ترابيزة الصالة مش كل واحد في أوضة. وفي مرة وهو بيشرح لها بيت شعر، بص لها وقال:

مروان: بحبك يا فاطمة.

فاطمة وشها احمر وقالت: قولها تاني.

مروان: بحبك يا بنت عمي.

وبعدها بكام يوم، في ليلة هادية، كانوا قاعدين يشربوا شاي في البلكونة، مروان مسك إيديها وقال:

مروان: فاطمة.. تحبي نتمم جوازنا بجد؟ مش على الورق بس، قدام ربنا وقدام قلبنا؟

فاطمة بصتله، وعينيها بتلمع، وقالت من غير تردد:

فاطمة: موافقة يا جوزي.

وباب الأوضة الكبيرة اللي كان مقفول طول الشهور اللي فاتت، اتفتح لهم هما الاتنين، واتقفل عليهم بالحب والرضا.

وكده، اللي بدأ بكتب كتاب غصب، انتهى بجواز حقيقي، وبحكاية حب بدأت في شقة صغيرة في القاهرة، بين دكتور من الصعيد وبنت عمه اللي جت تكمل دراستها، وكملت عمرها كله جنبه.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى