روايات وقص

المفتاح لف في القولون

المفتاح لف في الكالون، والباب اتفتح على وسعه. دخل رجلين هيئتهم تحكم بالهيبة، لابس أطقم سيمي فورمال، ووراهم حارس العمارة اللي وشه كان أصفر زي الليمونة وركبه بتخبط في بعضها. أول ما الملازم أول “أحمد الشاذلي” ضابط مباحث الأموال العامة، بص على الأرض، ملامحه الحادة اتغيرت تمامًا. المشهد مكانش مجرد بلاغ تزوير أوراق، المشهد كان جريمة شروع في قتل عيني عينك.

 

مريم كانت مرمية على الرخام البارد، فستانها الكحلي مبلول كليًا، وشها شاحب زي الجثة، وعرق غزير نازل على جبهتها وهو بتأن بصوت مكتوم ومش قادرة تأخد نفس كامل.

— “يا نهار أسود!”.. اتكلم الضابط بصدمة وهو بينزل على ركبته جنبها بسرعة، وحط إيده ورا ظهرها عشان يسندها: “يا مدام مريم! إيه اللي حصل؟ من عمل فيكي كده؟”

مريم، بدموع مغرقة وشها وأصابعها بتعتصر كم جاكيت الضابط: “الولادة… أنا بولد… أخويا وأبويا ضربوني وسابوني ومشيوا… المية نزلت… الحقني يا باشا… ابني بيموت!”

الضابط أحمد التفت للحارس بصوت زي الرعد خلى الراجل يقفز من مكانه: “انزل جري هات عربية الإسعاف اللي تحت! أو وقف أي عربية في الشارع بسرعة! يتحرك يا بني!”

الراجل طلع يجري زي المجنون، والضابط نادى على العسكري اللي معاه: “يا سيد! هسندها معاك ننزل بيها فورًا، مش هنستنى الإسعاف، الشارع تحت زحمة ومش هنلحق!”

في خلال دقيقتين، كان الضابط والعسكري شايلين مريم بحرص شديد، ونزلوا بيها في الأسانسير. مريم كانت حاسة إن روحها بتتسحب منها، كل انقباضة في بطنها كانت عبارة عن سكين بتتقطع بيها، بس جوة دماغها، وسط الرعب والوجع، كان فيه شعلة غضب وإصرار مش طبيعية. بصت للدوسيه الأسود اللي الضابط مسكه في إيده قبل ما ينزلوا، وغمضت عينيها وهي بتهمس لنفسها: “مش هسامح… والله ما هسامح حد فيكم.”

على الجانب التاني، في كافيه فخم في المحندسين، كان إسلام قاعد حاطط رجل على رجل، ومبتسم ابتسامة عريضة وهو بيبص لخطيبته ندى اللي كانت لسة إيديها بتترعش وهي ماسكة كوباية العصير. صابر وأمه صفية كانوا قاعدين قصادهم، صفية كانت بتمسح عرق جبهتها بمنديل معطر وبتهز رجلها بسرعة.

— “إسلام…” اتكلمت ندى بصوت واطي ومخطوف: “احنا كده سيبناها بتنزل دم ومية.. افرض جرى لها حاجة؟ افرض الولد جرى له حاجة؟ دي شكلها كان يخوف!”

إسلام كشر عن أنابه ورد ببرود وهو بيمسح على دقنه: “بقولك إيه يا ندى، بلاش دراما عالصبح. مريم دي سوسة، حافظها أكتر من نفسي. بتعمل الحركة دي عشان تصعب علينا ونسبها في حالها. تلاقيها دلوقتي طلبت الإسعاف وقاعدة في المستشفى بتتدلع. بكام ألف جنيه هتطلع وتعمل شو، المهم إننا خدنا الشقة والورق معايا في…”

فجأة، إسلام حط إيده في جيب الجاكيت الداخلي.. وشه اتغير.

بدأ يفتش في جيوبه بلهفة، وبعدين بص لأبوه: “يا بابا.. الدوسيه معاك؟”

صابر كشر حواجبو: “دوسيه إيه؟ أنت مش مسكته وأنت نازل من البيت؟”

— “أنا… أنا رميته على الترابيزة لما زقيتها وسيبته هناك!” إسلام قام وقف فجأة ووشه أبيضّ زي الملاية.

صفية شهقت وحطت إيدها على صدرها: “نهار أسود! الورق اللي فيه إمضاءاتنا وتنازلات المحامي سيبته هناك؟”

— “اهدوا كلكم!” إسلام اتكلم وهو بيحاول يسيطر على توتره، بس إيديه كانت بتترعش: “البيت مقفول، ومريم أكيد نقلت المستشفى، هنرجع ناخد الدوسيه ونخلص الليلة. بكرا الفرح ومحدش هيقدر يوقف حاجة.”

في طوارئ مستشفى خاص في الجيزة، الأطباء كانوا بيجروا بـ مريم على غرفة العمليات. الضابط أحمد كان واقف برة، بيمسح العرق من وشه وبيمسك تليفونه، اتصل بالعقيد هشام، رئيس مباحث الأموال العامة.

— “يا هشام باشا، أنا في المستشفى مع مريم صابر. المحضر اللي كنا بنجهزه ضد شركة ‘المتحدة’ وأخوها إسلام انقلب لجريمة جنائية كاملة الأركان. الولد ضربها وهي في التامن، وسابوها في حالة ولادة مبكرة ومشيوا. الشقة كان فيها الورق المزور اللي إحنا بنتدرب عليه من أسبوع.”

صوت العقيد هشام جاء حاد وقاطع عبر التليفون: “البنت عاملة إيه دلوقتي؟”

— “دخلت عمليات قيصرية فورية، الدكتور بيقول فيه خطورة على حياتها وحياة الجنين بسبب انفصال المبكر للمشيمة والنزيف.”

العقيد هشام اتنهد بقوة: “سمعني كويس يا أحمد. الورق اللي معاك فيه توقيع صابر وإسلام وشخص تالت اسمه مراد، المحامي بتاعهم؟”

— “أيوه يا باشا، الورق كامل ومختوم بختم مزور لنسخة التنازل، ومعايا التسجيلات اللي مريم سيبتها شغال على تليفونها قبل ما يضربوها.”

— “ممتاز. استعد يا أحمد. الليلة دي مش هتعدي. اطلب قوة فورية واطلع على مكان الفرح أو مكانهم.. التهمة دلوقتي اتغيرت من تزوير واستيلاء، لشروع في قتل وإجهاض عمدي وتزوير في محررات رسمية. هنجيبهم من قفاهم واحد واحد.”

ساعتين مروا زي الدهر.

في أوضة الإفاقة، فتحت مريم عينيها بصعوبة شديدة. النور كان زغلول، ورائحة المطهرات بتملأ المناخير. حسيت بألم رهيب في بطنها، ألم الغرز والمششرط. حطت إيدها بلهفة على بطنها.. لقيتها فاضية!

صوت ضربات قلبها في الجهاز بدأ يتسارع بسرعة مرعبة، وبدأت تصرخ بصوت مبحوح: “ابني!! فين ابني؟ حازم فين؟!”

الدكتورة دخلت تجري ومعاها الممرضة: “اهدي يا مدام مريم! اهدي عشان الجرح! الحمد لله، لحقنا الجنين في أخر لحظة!”

مريم نزلت دموعها بانهيار: “هو عايش؟ هو كويس؟”

الدكتورة ابتسمت بقلة حيلة وضغطت على إيدها: “هو في الحضانة دلوقتي، ولد صغير جداً ونموه مش كامل، بس تنفسه استقر. كان عنده نقص أكسجين شديد بس ربنا كتب له عمر جديد.. أنتِ بطلة يا مريم.”

مريم غمضت عينيها، وتنفست بعمق. كان الألم في جسمها رهيب، بس جوة قلبها كانت فيه قوة جديدة اتولدت. قوة أم اتحرمت من ابنها وكان هيتقتل قبل ما يشوف النور، بسبب طمع أقرب الناس ليها.

في اللحظة دي، دخل الضابط أحمد الأوضة بعد ما استأذن من الدكتورة. بص لـ مريم باحترام وتردد: “حمد الله على سلامتك يا مدام مريم. ابكِ وافرحي، ابنك بخير.. ودلوقتي جه الوقت اللي تاخدي فيه حقك وحق ابنك بالقانون.”

مريم بصت للضابط بعيون متجمدة من الغضب: “هم فين يا باشا؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى