منوعات

سكت الممر

سكت الممر، ووقفت اللحظة في الأوضة زي ما يكون الزمن اتجمد. القلم كان تقيل في إيدي، تقيل كأنه مصنوع من حديد، بس أول ما سنّه لمس الورقة، حسيت بنبضة قوية رجعت في عروقي.. نبضة مش من الصحة ولا العافية، دي نبضة القهر لما يتحول لغضب، والنفس الأخير لما يقرر إنه مش هيموت بلاش.

 

الموثق بتاع الشهر العقاري، الأستاذ فهمي، راجل عجوز بشعر أبيض ونظارة طبية قريبة من أرنبة مناخيره، كان باصصلي بذهول وهو شايف إيدي اللي بترعش بتوقع ثلاث أختام متتالية. وجنبه المستشار رفعت، محامي شركتي وصديق عمري اللي كان ماسك دموعه بالعافية، والمقدم هشام من المباحث الجنائية، واقف ساند ضهره على الحيطة وعينيه ثاقبة زي الصقر، بيسجل كل همسة بملامح حادة.

“تم التوثيق يا جلال بيه..” قالها الأستاذ فهمي وهو بيحط الختم النسر الأحمر على أصل المستندات. الصوت كان زي ضربة جرس في قاعة المحكمة.. صدى يلعن الخيانة ويغير مجرى اللعبة كلها.

المستشار رفعت قرب مني، مسك إيدي الدافية شوية من التوتر وهمس: “كده كل حاجة اتأمنت يا جلال. الفلاشة اللي عليها تسجيل الساعة الذكيةقت المباحث تسلمتها رسمياً، والتقرير الطبي الإستئماني الصادر من الدكتور الاستشاري أثبت وجود نسب عالية جداً من مادة ‘الديجوكسين’ في دمك.. نسب ما تجيش غير عن طريق جرعات متكررة ومسمومة.”

المقدم هشام قرب خطوات، وحط إيده على حافة السرير: “اللي فاضل دلوقتي يا حاج جلال، إننا نلعب اللعبة للآخر. هما فاكرين إنك بتموت، ومش عايزينهم يشكوا في أي حاجة لحد ما نجمعهم في المصيدة.”

في الوقت ده، في المطعم الفخم المطل على النيل في الزمالك، كانت ليلى قاعدة حاطة رجل على رجل، لابسة نظارة شمسية سوداء مخفية نص وشه المبتسم. قصادها كان رامي، بقميصه الأبيض المفتوح وساعته الدهب اللي لمعت تحت الشمس، ماسك كاس العصير وبيضحك بصوت واطي.

“يا بنتي قوليلي التلغراف هيوصل إمتى؟” رامي قالها وهو بيميل على الطاولة ويهمس. “أنا حجزت الشاليه في الساحل خلاص، والمكتب العاري اللي في الإسكندرية أخدت منه موافقة مبدئية على بيع أرض الورش.”

ليلى رفعت النظارة شوية على شعرها، وبصت له بانتصار: “الدكتور قال قدامه من يمين لثلاثة بالكتير.. قلب الراجل بيحتضر يا رامي. أنا حطيتله جرعة مركزة البارح بالليل مع الشاي.. يعني بالكتير قوي على بكرة الصبح هيكون الجهاز جاب خط مستقيم.”

رامي ضحك وشرب من كاسه: “الله يرحمه بقى.. كان راجل طيب وشقيان، بس ما كانش يستاهلك. 82 مليون جنيه يا ليلى! أنتِ متخيلة الرقم؟ هنطير على دبي ومنها على جزر المالديف، وننسى الريحة بتاعة الخشب والشقا دي خالص.”

“بس أهم حاجة..” ليلى قالتها بنبرة حازمة وحادة، “الورق كله يبقى جاهز. أول ما أطلع شهادة الوفاة، تروح مع المحامي بتاعنا للبنك، نرفع الحظر ونحول السيولة على الحساب الأوفشور اللي فتحناه.”

وفجأة، تليفون ليلى رن. اسم “مستشفى دار الفؤاد” ظهر على الشاشة. ليلى غيرت ملامحها في ثانية، وحولت وشها لوش الست المكسورة المظلومة، ورسمت نبرة عياط وصوت يرتعش وهي بترد: “ألو؟ أيوة يا دكتور! خير؟ جلال جرى له حاجة؟!”

الصوت على الطرف التاني كان صوت الدكتور الاستشاري، اللي كان واقف جنب المقدم هشام في الأوضة، بيتكلم بنبرة جافة ومحسوبة: “مدام ليلى.. الحالة تدهورت جداً في النص ساعة الأخيرة. دقات القلب نزل لمستويات خطيرة، والضغط بيقع. ياريت تحضري فوراً لو حابة تودعيه.”

ليلى حطت إيدها على بقها وعملت شهقة مسموعة في الكافيه كله، والناس بدأت تبص عليها بهمس. “أنا جاية حالاً! جاية فوراً يا دكتور.. أرجوك اعملوا أي حاجة!”

قفلت الخط، وبصت لرامي، والابتسامة رجعت تتسع على وشها زي الأفعى: “اللحظة حانت يا رامي. يلا بينا.. البس وش الحزن وتعال معايا، عشان نخلص إجراءات الدفن.. ونقبض.”

وصلت ليلى المستشفى، ماشية في الممرات وهي بتجر رجليها بتمثيل متقن، ماسكة منديل وبتمسح دموع وهمية. ورامي ماشي وراها ببدلة سوداء ووش مشدود بيحاول يظهر فيه الأسى. أول ما وصلت باب الأوضة، لقت الممرض كريم واقف بره، حاطط إيده في جيبه وشكوشه باين عليه الحزن والشرود.

“كريم!” ليلى صرخت بصوت خافت وهي بتقرب منه. “جلال جوه؟ الدكتور قال إيه؟!”

كريم بص لها بعيون حمرة، بس المرة دي ما كانتش عيون ضعف.. كانت عيون راجل شايل أمانة تقيلة، وعارف إن الساعة قربت. “جلال بيه جوه يا مدام.. الستار بيترفع، والدكتور جوه بيحاول ينعش القلب.”

ليلى زقت الباب ودخلت بسرعة، ورامي دخل وراها وقفل الباب بشويش. الأوضة كانت مضلمة شوية، الستائر متقفلة، وصوت جهاز القلب كان بيطلع صفارة متقطعة وبطيئة جداً.. 20 دقة في الدقيقة.

جلال كان نايم على السرير، عينية مقفولة، ووشه أصفر زي الشمع، وموصل بأجهزة التنافس.

ليلى جريت على السرير، رمت نفسها عليه وبدأت تصرخ بصوت واطي: “جلال! ما تسيبنيش يا حبيبي! عشان خاطري يا جلال.. مين لي غيرك في الدنيا دي؟!”

رامي وقف عند رجلي السرير، وحط إيده على كتفها بيواسيها بتمثيل: “اهدي يا ليلى.. قضاء ربنا. الراجل أدى رسالته وخلاص جسمه ما يستحملش.”

ليلى مالت على أذن جلال، وفي لحظة غل وخسة، وهمست في ودنه بصوت ما يسمعوش غيره، والابتسامة الخفية رجعت على شفايفها: “مع السلامة يا جلال.. الـ 82 مليون بكرة الصبح هيبقوا في حسابي.. وداعا يا راجل يا عجوز.”

وفجأة.. الصفارة المتقطعة بتاعة جهاز القلب وقفت.

الأوضة سكتت تماماً. صفارة واحدة طويلة ومستمرة طلعت من الجهاز: “بييييييييييييييييييييب…”

ليلى شهقت وعملت نفسها بتعيط بحرقة: “أه يا حبيبي! الدكتور! الحقوناااا!”

بس قبل ما كمل صرختها.. نور الأوضة ضرب فجأة وبقى قاطع وناصع البياض!

صوت الصفارة وقف، والجهاز انطفى بلمسة إيد.

وفجأة، قعد جلال الهواري على السرير!

فتح عينيه الاثنين، عينين حادتين زي صقر صاحي من النوم، وبص لليلى ورامي بجمود يرعب. شال ماسك الأكسجين من على وشه بإيده الشمال، وابتسم ابتسامة سردة وباردة، كأن الموت ما لمسوش أساساً.

ليلى اتجمدت مكانها.. صرختها وقفت في زورها، ورجليها خذلتها ورجعت خطوة لورا وهي حاسة إن عقلها بيطير. رامي شهق ووشه اتمسح منه كل ألوان الحياة، وبقى أبيض زي الملاية.

“حمد الله على السلامة يا ليلى..” جلال قالها بصوت هادي، بس يرعب الأحياء. “أنا شايفك مستعجلة على المأتم قوي.. حتى النظارة السودة لابساها جاهزة.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى