روايات وقص

اشرقت شمس اليوم التالي

أشرقت شمس اليوم التالي باردة على غير عادة أغسطس في القاهرة. كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحًا حين توقفت سيارة مرسيدس سوداء أمام البرج الزجاجي الشاهق لمجموعات “النيل للنقل والمقاولات” بقلب التجمع الخامس. خرجت مريم بخطوات ثابتة، ترتدي بدلة رسمية سوداء كحلية، وعيناها تغطيهما نظارة شمسية حجبتا ليلة كاملة من الصمت والترتيبات الشاقة. إلى جوارها، كانت الأستاذة فريدة تحمل حقيبة جلدية ثقيلة تزن ما هو أكثر من مجرد أوراق؛ كانت تحمل أدلة سقوط إمبراطورية ورقية بناها مصطفى على الوهم.

 

في الدور الأخير، داخل صالة الاجتماعات الكبرى ذات الطاولة البيضاوية الفخمة، كان الجو مشبعًا برائحة القهوة والغرور. دخل مصطفى بخطوات واثقة، يرتدي بدلة إيطالية رمادية فاخرة، وتتبعه أمه حكمت التي أصرت على الحضور لـ “تشهد نصر ابنها”، وهي تضع ضمادة صغيرة على وجهها لم تنجح في إخفاء الآثار، بينما كانت نورهان تجلس في الخلفية تتلمس غواشتها الألماسية بنشوة متصنعة.

كان أعضاء مجلس الإدارة، وهم كبار رجال الأعمال الشركاء بحصص ضئيلة، يتبادلون الهمسات. مصطفى كان يتنقل بينهم، يربت على الأكتاف بثقة مطلقة ويقول بصوت مرتفع:

— “معلش يا جماعة، أخيرًا الكابوس انتهى، واليوم بنبدأ صفحة جديدة تمامًا لمؤسسة النيل.. صفحة من غير تعطيل ولا أيدي مرتعشة.”

وفجأة، انفتح الباب الزجاجي الضخم.

عم الصمت الغرفة كأنما سُحب منها الأكسجين. دخلت مريم بخطوة واحدة رفيعة العماد، وثبات لم يعتده أحد منها من قبل. لم تتلفت، ولم تنظر لأحد، بل اتجهت مباشرة إلى كرسي المظلة الرئيسي عند رأس الطاولة—الكرسي الذي طالما جلس عليه والدها، وظل مصطفى يعتبره حقه المكتسب طوال سنوات إدارته.

سحب مصطفى كرسيه بغضب، واستند بيديه على الطاولة وهو يبتسم بتهكم:

— “خير يا مدام مريم؟ أعتقد المحكمة خلصت ورقها إمبارح، والشركة دي مكان للرجال وللشغل، مش مكان للي فاكرين إن المحاكم بتدي حقوق مش بتاعتهم. يا ريت تتفضلي برة قبل ما أطلب الأمن يخرجك بطريقة ما تعجبكيش.”

ضحكت حكمت بصوت شامت من أقصى القاعة:

— “سيبها يا مصطفى، أصلها مش مستوعبة إنها بقت برة اللعبة.. جاية تدور على جنازيرها القديمة!”

مريم لم تنظر حتى لنواحي حكمت. هدوء مريب كان يغلف ملامحها، هدوء أقوى من أي صراخ. جلت حنجرتها ببطء، ونظرت لـ فريدة التي فتحت الحقيبة وقدمت لها ملفًا غلافه أسود ملكي.

فتحت مريم الملف وقالت بصوت هادئ، يصل لكل زاوية في الغرفة كحد السيف:

— “أستاذ مصطفى.. أظن إن القوانين واللوائح ما بتتغيرش عشان خاطر جهلك بيها. الشركة دي، من يوم ما والدك الله يرحمه دخلها كمدير تنفيذي مجرد بفضل أبوي، وهي مبنية على نظام ائتماني واضح مقفول في بنك القاهرة بقرار رقم 804. الفideicomiso ده بيعطي صاحب الـ 72% من الأسهم المسجلة في صندوق ‘الرواد’ الحق الحصري في إقالة المدير التنفيذي وتعيين مجلس إدارة جديد، وتجميد كل الصلاحيات المالية فورًا بدون الحاجة لموافقة بقية الأعضاء.”

تغيرت ملامح مصطفى قليلاً، لكنه حاول الاستمرار في تمثيليته:

— “أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ الكلام ده قدم ومات، أنا المحرك الأساسي للشركة دي، والأسهم دي كلها…”

قطعت فريدة كلامه بصوت حاسم، وهي تضع نسخًا ضوئية معتمدة أمام كل عضو من أعضاء مجلس الإدارة:

— “هذه وثائق نقل وتفعيل الصلاحيات الموقعة من هيئة الاستثمار صباح اليوم الساعة الثامنة تمامًا. السيدة مريم أحمد النيل هي المالك الفعلي والوحيد لنسبة 72% من القوة التصويتية، وبناءً عليه، تم استدعاء هذا الاجتماع الطارئ لسبب واحد فقط: إعلان سحب الثقة الشامل منك يا سيد مصطفى، وإقالتك من كافة مناصبك الإدارية والتنفيذية ابتداءً من هذه اللحظة.”

شحب وجه مصطفى كالموتى. نظر إلى الشركاء حوله يستنجد بعيونهم، لكن الجميع كانوا يقرأون الأوراق بذهول واهتمام شديد. الشركاء الصغار، الذين طالما عانوا من استبداده وغروره، بدأوا يتبادلون النظرات المؤيدة.

صرخت حكمت وقامت واقفة:

— “الكلام ده كذب! ورق مزور! ابن مصطفى هو صاحب الحلال ده كله، هو اللي كبره وشغله لما كنتي أنتي قاعدة في البيت تتفرجي!”

التفتت مريم إليها لأول مرة، وكانت نظرتها كفيلة بإخراسها:

— “ابنك ما كبّرش حاجة يا حكمت هانم.. ابنك كان بيسرق.”

ساد ذهول مطلق في القاعة. انتفض مصطفى وضرب الطاولة بيديه:

— “أنا بتبلي عليا؟! أنتي هتتحاسبي على كل كلمة تقوليها يا مريم! أنا هرفع عليكِ قضية رد شرف وهخرب بيتك!”

أخرجت مريم هاتفها، وضغطت على زر العرض ليظهر على الشاشة العريضة المعلقة على حائط صالة الاجتماعات تقرير مالي مدعم بالرسوم البيانية والمستندات الممسوحة ضوئيًا.

بدأت مريم تسرد التفاصيل بدقة جراح يفتح جرحًا متعفنًا:

— “خطة ‘التوسع’ اللي أقنعت بيها المجلس السنة اللي فاتت كانت مجرد غطاء. 12 مليون جنيه أتحولت لحساب شركة ‘فرفشة للديكور’ المسجلة باسم والدتك حكمت، نظير أعمال استشارية وهمية للمقر الجديد اللي ما أتبناش منه طوبة. 18 مليون جنيه تحويلات مباشرة لحساب شخصي باسم ‘نورهان السويفي’ تحت بند شراء مقطورات نقل من المانيا، اتضح إن الشحنة كانت صور أوراق مزورة في جمارك السخنة. 18 مليون جنيه تانيين اتوزعوا على سداد كروت ائتمانية وشراء أصول عقارية، من بينها الشقة الممتدة على مساحة 400 متر في شارع التسعين اللي ساكنة فيها المدام، والغواشة الألماس اللي في إيدها دلوقتي.”

شهقت نورهان وغطت يدها بفستانها تلقائيًا، بينما تراجعت حكمت إلى الخلف وهي تتلعثم:

— “دي… دي فلوس شغل ابن حلال.. هو اللي مديهالنا!”

سارعت فريدة بإضافة الضربة القاضية:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى