روايات وقص

اشرقت شمس اليوم التالي

— “المبالغ دي كافية لتوجيه اتهامات مباشرة بالاختلاس، وتزوير محررات رسمية، وغسيل الأموال، واستغلال النفوذ والإضرار بالمال الخاص. البلاغ رقم 4022 تم قيده بالفعل في نيابة الأموال العامة العليا قبل ساعتين من الآن.”

سقط مصطفى على كرسيه، وعرقه يصب كالمطر على ياقة بدلته الإيطالية. تلاشت كل هيبته وشجاعته، وتحول في لحظات إلى مجرد رجل مذعور يرى أغلال السجن تحيط بمعصميه.

— “مريم…” قالها مصطفى بصوت مبحوح ومتردد، حافيًا من أي كبرياء، “مريم.. إحنا كان بينا 11 سنة عشيرة وعيش وملح.. أنتي مش ممكن تعملي فيا كده عشان مجرد خلافات زوجية! تعالي نتكلم على جنب، نتفاهم..”

ابتسمت مريم ابتسامة باردة كالثلج، ووقفت من على كرسيها وهي تغلق ملفها الأسود:

— “العيش والملح اللي خنته يا مصطفى، والـ 11 سنة اللي استغفلتني فيهم.. دول حسابهم عند ربنا. أما حق أبوي وحق الشغالين في الشحنات والورود اللي كنت بتسرقهم عشان تبني بيهم مجد وهمي لنفسك ولعيلتك.. فده حسابه في النيابة.”

في هذه اللحظة بالذات، انفتح باب صالة الاجتماعات مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يدخل موظف أو سكرتير.

دخل ثلاثة رجال يرتدون الزي المدني الفاخر، يتقدمهم ضابط برتبة مقدم، ومعه اثنان من أمناء الشرطة.

نظر الضابط حول الغرفة بثبات وقال:

— “الأستاذ مصطفى كامل المحامي؟”

وقف مصطفى ببطء شديد وهو يرتجف:

— “أنا.. خير يا باشا؟”

أخرج الضابط أمرًا بالضبط والإحضار موجهًا من نيابة الأموال العامة:

— “مطلوب القبض عليك بناءً على البلاغ المقدم من ممثل fideicomiso شركة النيل، بتهمة الاختلاس والتزوير وتسهيل الاستيلاء على أموال الشركة. اتفضل معانا بالهدوء من غير شوشرة.”

صرخت حكمت بصوت هز أركان الدور الأخير:

— “ابني لا! ابني ما عملش حاجة! دي بت مفترية بتنتقم منه عشان سابها واتجوز عليها! يا خذلة.. يا ظالمة!”

التفت الضابط بصرامة نحو حكمت وقال:

— “السيدة حكمت عبد السلام المليجي؟”

تجمدت حكمت في مكانها:

— “أيوة.. أنا أم مصطفى!”

أخرج الضابط ورقة أخرى من جيبه وقال:

— “وسيادتك كمان صادر بحقك أمر ضبط وإحضار كشريك رئيسي في إخفاء أموال متحصلة من جريمة وتسهيل غسيل أموال عبر شركة ‘فرفشة’. اتفضلي معانا أنتي كمان.”

سقطت حكمت على الأرض وهي تنتحب وتصرخ، بينما حاولت نورهان التسلل نحو الباب الخلفي وهي ترتجف من الخوف، لكن أحد أمناء الشرطة وقف في طريقها وقال لها بحزم:

— “على فين يا مدام؟ سيادتك اسمك نورهان السويفي؟ المحاضر المرفقة فيها التحفظ على الشقة والغواشة والأصول اللي باسمك كأموال متحفظ عليها تحفيظًا تحفظيًا.. اتفضلي معنا لمقر النيابة لسماع أقوالك!”

انهارت نورهان في البكاء وهي تصيح:

— “أنا ماليش دعوة! هو اللي كان بيكتب كل حاجة باسمي! أنا ماكنتش اعرف إن الفلوس دي مسروقة! والله ما أعرف حاجة!”

بينما كان الكلبش المالي والأمني يلتف حول أيدي مصطفى وأمه، سُحبا وسط ذهول الموظفين الذين تجمهروا في الممرات يتفرجون على “الباشا” وهو يُساق كالمجرمين، تساقطت كل أوهام السيطرة والغرور التي عاشوا فيها.

وقفت مريم عند النافذة الزجاجية المطلة على شوارع القاهرة، تنظر إلى سيارات الشرطة وهي تأخذهم جميعًا. أخذت نفسًا عميقًا وطويلاً، وشعرت لأول مرة منذ 11 سنة أن روحها تعود إليها حرّة ونقية.

ألتفتت إلى أعضاء مجلس الإدارة الذين كانوا يقفون جميعًا احترامًا وثباتًا لها، وقالت بصوت ناعم ولكن يُلزم الجميع:

— “سادتي.. التفتيش المالي الشامل هيبدأ من الساعة دي. الشركة هترجع لأصولها وهنعدل كل الأخطاء. تفضلوا على مكاتبكم.. الشغل الحقيقي لسه بيبدأ دلوقتي.”

لكن مريم، وهي تسير في الممر المتجه إلى مكتب والدها القديم لتستعيده، تلقت اتصالاً هاتفيًا من رقم مجهول غريب.

رفعت السماعة وأجابت: “ألو؟”

جاءها صوت رجالي غامض، عميق وبارد، لم تسمعه من قبل، لكنه قال جملة واحدة جعلت الدماء تتجمد في عروقها:

— “مبروك يا مريم هانم على استرداد الشركة.. بس يا ترى تعرفي إن مصطفى ماكانش بيلعب لحسابه لوحده؟ وإن الصندوق الائتماني اللي أبوك سابهولك.. كان فيه بند مخفي لو اتفتح.. الشركة دي كلها مش هتبقى ملكك ولا ملك أبويك من الأساس؟”

طاطا… طاطا… انقطع الخط!

وقفت مريم في منتصف الممر، تحيط بها أوراق الانتصارات، بينما بدأ ظلام سر جديد وأعظم يلوح في الأفق!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى