روايات وقص

نغمه الموبايل

طردت نغمة الموبايل الصمت الرهيب اللي خيم على القاعة بعد كلام أسامة، كأنها صوت جرس بيعلن بداية الحرب. فاطمة بصت لشاشة الموبايل المتنورة باسم “حسام”، أصابعها كانت بتترعش بس مش من الخوف.. كان ارتعاش حبس الدموع والغضب على مدار 18 سنة. ما ردتش. سابته يرن ويرن لحد ما الشاشة طفيت لوحدها.

 

على المسرح، أسامة نزل بصلابة وخطوات ثابته كأنه جبل، القاعة كلها كانت تبص له بذهول ومزيج من الشفقة والاحترام. أول ما قرب من الصف التالت، فاطمة وقفت، فتحت دراعاتها، وأسامة اترما في حضنها. في اللحظة دي بس، الصمود اللي كان على وشه انكسر، ودمعة واحدة دافية نزلت على كتف أمه، مسحها بسرعة وقال بصوت واطي: “عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان يا أمي.”

فاطمة طبطبت على ضهره وقالت بنبرة حسم: “حقك رجع يا أسامة.. ودلوقتي دوري أنا.”

مسكت إيد ابنها وخرجوا من القاعة وسط نظرات الأمهات والآباء اللي اتنحوا جانباً يسيبوا لهم طريق. خرجوا لسهوة هوى المعادي الدافية، والشمس بدأت تغرب وتسيب وراها شفق أحمر دامي. أول ما قدمهم لمت أرض الشارع، عربية حسام الفارهة وقفت برعونة قدام باب المدرسة، صوت الفرامل صرخ في الشارع كأنه مشهد من فيلم أكشن.

نزل حسام وهو بيشهق، بدلته شيك، ريحة برفانه سبقت خطواته، ووشه أحمر من الغضب. ساب باب العربية مفتوح ومشي باتجاههم بخطوات سريعة، وعيونه كانت بتطلع شرار.

“أنتوا اتجننتوا؟!” حسام صرخ وهو بيقرب منهم، مش عامل حساب للناس اللي طالعة من المدرسة ولا للأستاذة اللي بيبصوا من الشبابيك. “أنت يا زفت أنت.. إيه الهبل اللي قلته جوة ده؟ الناس بتتصل بيا يسألوني هو أنا جرى لي حاجة؟! بقى أنا حسام الزيني، المهندس المرموق، ابنك يقول عليا ميت قدام الناس كلها؟!”

أسامة حط إيده في جيبه وبص له ببرود تام، برود كان أشد من أي شتيمة: “اللي مات فعلاً مش بينطق يا حسام بيه.. وأنت بالنسبة لي مجرد جثة أتركت في أرشيف ذكرياتي.”

حسام رفع إيده وكان حايضرب أسامة بالقلم: “يا قليل الأدب! أنا اللي ربيتك! أنا اللي بصرف عليك!”

قبل ما إيد حسام تلمس وش أسامة، فاطمة اتدخلت. قطعت المسافة بينهم ووقفت سد منيع قدام ابنها، ومسكت معصم حسام بقوة ماكنش يتخيل إنها موجودة في جسمها النحيف. زقت إيده بعيد.

“إياك تمد إيدك عليه..” فاطمة قالتها بصوت واطي، بس حاد زي الموس. “إيدك دي ما اتمدتش عشان تطبطب عليه وهو عيان، ولا اتمدت عشان تمسك إيده وهو بيتعلم المشي.. يبقى ما تترفعش دلوقتي عشان تضربه.”

حسام اتفاجئ بجرأتها، فاطمة الهادية، المطيعة، اللي كانت بتستحمل إهانات أهله وتفويتها لمواقف ولاء، واقفة قدامه بوش تاني خالص.

“أنتِ اللي محرضاه يا فاطمة!” حسام صرخ وهو بيحاول يسترد هيبته. “أنتِ اللي مليتي دماغه بالغل ده! عشان إيه؟ عشان مجتش حفل عبيط؟ أنا قلت لك عندي ظروف! ولاء كان عندها مشكلة كبيرة في المدرسة ومحتاجة راجل يقف معاها!”

“ولاء.. ولاء.. ولاء!” فاطمة ضحكت ضحكة مكسورة، فيها كمية وجع تكفي بلد. “18 سنة وأنا ببتلع القرف ده.. 18 سنة وأنا أسمع نغمة ‘أصلها مكسورة جناح’ و’أصل مازن ملهوش أب’. وأسامة؟ أسامة كان إيه يا حسام؟ كان يتيم وأبوه على قيد الحياة؟!”

في اللحظة دي، عربية تانية وقفت ورا عربية حسام. نزلت منها ولاء، لابسة طقم شيك وجرّة إيد ابنها مازن اللي كان باين عليه الإحراج والضيق. ولاء قربت بخطوات تمثيلية، وحطت إيدها على كتف حسام بثقة مستفزة: “في إيه يا حسام؟ الصوت طالع لحد الشارع.. يا فاطمة، عيب كده، الناس بتتفرج علينا! لو زعلانة إن حسام جيه معايا، أنا مستعدة أعتذر لك قدام الناس، بس بلاش تصغري جوزك كدة!”

فاطمة بصلتها من فوق لتحت.. النظرة دي خلت ولاء ترجع خطوة لورا.

“تعتذري لي؟” فاطمة قالت بابتسامة خفيفة. “أنتِ فاكرة إن القصة قصة حفل النهاردة؟ أنتِ فاكرة إنك أخدتي مني حاجة ذات قيمة؟ أنتِ أخدتي بقايا راجل، القشرة بتاعته.. أخدتي الخيانة والندالة، وأنا خدت الأصل.. خدت أسامة.”

حسام اتنرفز أكتر، وبص لساعته الذهب: “بقولكم إيه، الفلم الهابط ده ينتهي هنا! يلا يا أسامة قدامي على العربية.. ويلا يا فاطمة، الحساب ده هنكمله في البيت!”

“البيت؟” فاطمة سألت بنفس الابتسامة. “أي بيت يا حسام؟ البيت اللي أنا كتبته بفلوس ورث أبويا وأنت خدت التوكيل وبنيته باسمك؟ ولا البيت اللي بقالك سنين بتسحب من رصيدنا فيه عشان تصرف على ستك ولاء وابنها؟”

حسام وشه اتغير وارتكب: “أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ خرفتي؟”

هنا، فاطمة سحبت الدوسيه الأسود التقيل اللي كان تحت دراعها طوال الوقت. دوسيه جلد كلاسيكي، متين، ملفوف بأستك أسود. حطته في وش حسام على كبوت عربيتها.

“ده بقى يا حسام بيه.. حساب الـ 18 سنة.”

حسام بص للدوسيه باستخفاف: “إيه ده؟ كراسة رسم؟”

“افتحه..” فاطمة قالتها وهي بتربع إيدها. “افتح وشوف مراتك ‘الهبلة’ اللي كنت فاكرها مش داريانة بحاجة، كانت بتعمل إيه طول السنين دي.”

حسام قرب بتردد، فتح الأستك، وفتح أول صفحة. ولاء قربت فضولية تبص معاه.

أول صفحة كانت عبارة عن جدول معمول بخط الإيد، جواه تاريخ كل قرش دخل وخرج من يوم ما اتجوزوا. وتحت كل بند، حافظة بلاستيكية فيها الفواتير والأوراق الرسمية.

فاطمة بدأت تتكلم بصوت جهوري وثابت، كل كلمة كانت بتنزل زي المطرقة:

“الصفحة الأولى: فواتير مستشفى الطوارئ يوم ما أسامة جاله الزايدة.. الفاتورة مدفوعة من حسابي الشخصي بفلوس شغلي في المدرسة، والفيتا بتاعك المقفول بنفس التاريخ والساعة بيبين إنك كنت حاطط الفيزا في مطعم فخم في الزمالك.. شيك العشا بتاعك أنت وولاء بـ 4 آلاف جنيه، وأنا كنت بستلف عشان أدفع مصاريف العملية!”

حسام بلع ريقه وصوابعه بدأت تترعش وهو بيقلب الصفحة.

“الصفحة التانية:” فاطمة كملت، “إيصالات المصاريف المدرسية لأسامة.. طول 18 سنة، أنت ما دفعتش مليم واحد في تعليم ابنك. كل سنة كنت بتقول ‘الشركة ممرورة بأزمة’، وفي نفس الشهر، التحويلات البنكية اللي في الصفحة اللي بعدها بتبين إنك كنت بتدفع مصاريف مدام ولاء وابنها في نفس المدرسة اللغات اللي أسامة فيها.. أنت كنت بتدفع لابن خطيبتك، وأنا بصرف على ابنك من شغلي في الدروس الخصوصية وطريقتك في الشغل!”

ولاء وشها اصفر وبصت لحسام: “حسام.. إيه الكلام ده؟ هي جابت التحويلات دي منين؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى