
فاطمة ما ادتهاش فرصة، وكملت بهجوم كاسح: “الصفحة التالتة والأهم.. عقد شقة المعادي وعمارة التجمع. العقارات دي أنت بنيتها بفلوس التوكيل العام اللي أخدته مني بعد وفاة أبويا الله يرحمه. أنت زوريت توقيعي في إعادة بيع نصيبك للشركة بتاعتك وهمياً، عشان تطلعني من المولد بلا حمص!”
حسام بدأ يعرق بغزارة، جبهته اتملت عرق رغم الهواء البارد: “أنتِ.. أنتِ بتخرفي.. الكلام ده ملوش أصل قانوني!”
“ملوش؟” أسامة هو اللي اتكلم المرة دي، وسحب ورقة رسمية من نهاية الدوسيه. “دي محضر إثبات حالة ومحضر تزوير مرفوع من الأسبوع اللي فات يا بابا.. قصدي يا حسام بيه. الأستاذ رفعت، أكبر محامي نقض في مصر، هو اللي ماسك القضية.. والتصريح بالاستعلام عن الحسابات البنكية صدر النهاردة الصبح.”
حسام حس إن الأرض بتلف بيه. بص لفاطمة كأنه بيشوفها لأول مرة: “فاطمة.. أنتِ بتخربي بيتنا؟ عشان إيه؟ عشان حاجات قديمة؟”
“بيتنا؟” فاطمة قربت منه لحد ما بقت على بعد سنتيمترات من وشه، وعيونها فيها لمعة انتقام صلبة: “أنت دمرت البيت ده يوم ما فضلت ابن الناس على ابنك. يوم ما سيبت أسامة يبكي في المستشفى وروحت تشتري لعب لمازن. يوم ما حرمت أسامة من كلمتك وحنانك وعطفت على ابن ولاء.. البيت ده اتهد من زمان، أنا بس كنت بجمع الطوب عشان أرميه في وشك في الوقت المناسب!”
ولاء وهي شايفة المركب بتغرق، سحبت إيد مازن وراجعت لورا: “حسام.. أنا ماليش دعوة بالمشاكل دي.. أنا ماشية.”
حسام بص لولاء بذهول: “ولاء؟ أنتِ رايحة فين؟ مش أنا عملت كل ده عشانكم؟”
ولاء ردت ببرود قاتل: “أنت اللي عملت كده بإرادتك يا حسام، محدش أجبرك.. وبعدين أنا مش هسمح إن اسمي يتجر في قضايا تزوير وسرقة!”
سابته ومشيت، ركبت عربيتها وطارت، ومازن ابنها بص لحسام بصة استحقار قبل ما يقفل الباب. حسام وقف في الشارع لوحده، قدام مراته اللي كان فاكرها ضعيفة، وابنه اللي كان فاكره ملوش رأي، وبقايا عقود وأوراق مزورة معروضة قدام المدرسة.
حسام مسك إيد فاطمة بترجي: “فاطمة.. ارجعي معايا.. نتكلم في البيت.. أسامة يا بني، أنا أبوك! والله كل ده عشان أأمن مستقبلكم!”
أسامة بص له بابتسامة حزينة: “تأمن مستقبلنا؟ أنت أأمنت مستقبلك أنت بس.. والنهاردة الحساب جه.”
فاطمة سحبت الدوسيه من إيد حسام بلمسة واحدة، وقفلته بالأستك الأسود تاني.
“أنا أخدت حقي وحق ابني في المدرسة قدام الناس كلها..” فاطمة قالتها بكل كبرياء. “وبقية حقي هخده في المحكمة. المحضر اتعمل، وقضية الخلع اترفت، وقضية التزوير هتدخلك السجن يا حسام.. إلا لو…”
حسام اتعلق بالقشة: “إلا لو إيه؟ قولِ يا فاطمة! مستعد أعمل أي حاجة! هكتب لك كل حاجة باسمك وباسم أسامة!”
فاطمة بصلت له بنظرة حسم خالية من أي رحمة: “إلا لو تنازلت عن كل حاجة بأسلوب هادي وبدون شوشرة.. الشقة، وعمارة التجمع، والشركة.. وتسيب البلد دي خالص. مش عايزه أسامة يشوف وشك تاني.”
حسام انهار، وقعد على كبوت العربية وهو بيحط إيديه على وشه، راجل كان فاكر نفسه ملك الشطرنج، واكتشف في لحظة إنه كان مجرد بيدق في لعبة صبرها طويل.
أسامة مسك إيد أمه، وبص لها بفخر: “يلا يا أمي.. معندناش وقت نضيعه هنا، القهوة بتاعتنا مستنيانا عشان نحتفل بالمركز الأول.”
فاطمة ابتسمت لابنها، ومشوا سوا بخطوات واثقة، سايبين حسام وراهم مجرد خيال راجل مهزوم، قاعد على العربية والناس اللي طالعة من المدرسة تبص له بقرف وشفقة.
لكن.. القصة ما انتهتش عند اللحظة دي.
بعد مرور تلت شهور..
كانت فاطمة قاعدة في الصالون الجديد بتاع الشقة اللي استردتها بالقانون. أسامة كان قاعد على المكتب بيجهز أوراقه عشان يسافر يدرس هندسة في ألمانيا بعد ما جاله منحة كاملة بسبب تفوقه. المكان كان مليان هدوء وسلام، سلام ما حسوش بيه من سنين طويلة.
جرس الباب رن.
أسامة قام فتح الباب، ولقى البوسطجي واقف ومعه جواب رسمي باللون الأحمر.. جواب من المحكمة.
أسامة فتح الجواب وقرأه بسرعة، وشه اتغير ونادى بصوت متوتر: “أمي.. تعالي شوف الجواب ده!”
فاطمة جرت عليه: “في إيه يا أسامة؟ حسام عمل حاجة تاني؟”
أسامة بص لأمه بعيون ملبانة حيرة وذهول وقال: “الجواب مش من قضية حسام يا أمي.. الجواب ده إخطار بفتح تركة وتنفيذ وصية.. من محامي ‘ولاء’!”
فاطمة اندهشت: “ولاء؟ وصية إيه؟ هي جرى لها حاجة؟”
أسامة قرا السطر الأخير من الإخطار بصوت بيترعش: “توفيت السيدة ولاء عبد الحميد في حادث سيارة أليم الأسبوع الماضي.. والوصية تنص على نقل ملكية نصيبها في أصول الشركات والعقارات باسم الطالب (أسامة حسام الزيني).. بصفته الشقيق الشرعي الوحيد وابن الزوج الحقيقي لـ ‘مازن’!”
فاطمة مسكت الإخطار وإيدها بتترعش، وجواها ألف سؤال وسؤال بيصرخ:
يعني إيه؟
ولاء كانت كاتبة كل حاجة لأسامة؟
وليه كاتبة إن أسامة هو الشقيق الشرعي لمازن؟!
هل مازن.. ابن حسام فعلاً؟ أم إن السر اللي كانت مخبياه ولاء طوال 18 سنة كان أكبر بكتير من مجرد خيانة؟
وفي اللحظة دي بالذات.. التليفون الأراضي رن ببطء.. ورقم حسام ظهر على الشاشة، بس المرة دي.. حسام كان بيتصل وهو بيصرخ من جوة المستشفى!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




