
الكلمة خرجت من بين شفايف فريدة زي نقطة سم نزلت في ودن سليم. “مش عارفة..” الجملة طارت في هواء الأوضة واستقرت في صدرو زي طلقة كاتمة للصوت. الميك أب التقيل اللي كان مخليها زي الملكات قبل دقائق، بدأ يظهر تحته تشقق غريب، كأن القناع البلاستيك اللي كانت لابساه سنتين كاملين بيسيح قدام عينيه.
سليم ماردش. المسافة بينه وبينها كانت خطوتين، بس حاسس إن في المحيط كله اتكون بينهم. بص لإيديه اللي كانت بترتعش، ونزل عينيه ليونس اللي كان بيتحرك خفيف في أحضان أم أحمد ورا الباب. الطفل اللي غيّر حياته، اللي كان بيمشي في طرقات الشركة يفتخر بضحكته، اللي كان بيصحى من أحلى نومة عشان بس يشيله ويحط راسه الصغيرة على كتفه.. طلع احتمال مجرد لعبة في مراهنة قذرة.
طارق دخل الأوضة ببطء، وقفل الباب وراه بتكة جافة، حركة محامي فاهم إن اللي بيحصل ده مش مجرد خناقة عرسان، دي ساحة جريمة.
“مش عارفة؟” سليم نطقها بصوت هادي جداً، هدوء يرعب، الهدوء اللي بيسبق الإعصار في بحر مظلم. “يعني إيه مش عارفة يا فريدة؟ أنتِ فاهمة الكلمة دي معناها إيه؟”
فريدة حاولت تلمس دراعه، خطوة للمقدمة مع ابتسامة مرتبكة ومحاولة استعطاف رخيصة: “سليم.. افهمني، أنا كنت خايفة، المكالمة دي كانت.. كانت مع حاتم، أنت عارف حاتم، طليقي القديم اللي كان بيطاردني، هو اللي كان بيبتزني وكان عايز يبوظ حياتي معاك، أنا قولت كده عشان أخليه يبعد عني!”
طارق طلع موبايله وهز راسه بنفاذ صبر: “بلاش غباوة يا فريدة، التسجيل معايا، أنتِ كنتِ بتتكلمي بأريحية واحدة بتخطط ومطمنة، مش واحدة بتتأثر بابتزاز. صوتك كان مالي الأوضة، وكلامك عن الشيكات وعن السجل التجاري لـ ‘العطار للتعمير’ ميهرّبش منه كعب داير.”
فريدة بصت لطارق بشر، وعينيها تحولت في ثانية من الحمل الوديع لثعلب محشور في زاوية: “أنت مالك أنت؟ دي حاجة بيني وبين جوزي!”




