روايات وقص

د وقفت مكاني رجلي مش شايلاني

كريم كان واقف على بعد خطوات، بس مكنش كريم اللي أنا عرفته في معرض الكتاب، ولا كريم اللي سهر معايا في الكافيهات يخطط للمستقبل. كان شخص تاني خالص. وشه شاحب زي الجثة، تحت عينيه سواد دامي، كأنه منامش من يوم ما سابني، وهدومه دبلانة عليه. وإيده الشمال.. إيده الشمال كانت متجبيرة ومربوطة بشاش أبيض طالع منه ريحة مطهرات وخيوط جراحة.

متولي الزيني بص لابنه بنظرة كلها تهديد، وقال بصوت واطي ومسموم: “ادخل جوة يا كريم.. الموضحة دي مالهاش لازمة. البت دي جاية تتسول بحتة العيل اللي في إيدها، وأنا مش هسمح بمهزلة جديدة في البيت ده.”

كريم ماردش على أبوه. كل تركيزه كان عليا. عينيه – العين الزرقا والعين البني – كانا زاغين بين وشي وبين البنت. دموعه نزلت فجأة وبدون صوت، وقال بصوت مبحوح كأنه طالع من بير مهجور: “ندى.. أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ امشي يا ندى.. امشي فوراً وخدي البنت واجري، قبل ما القذارة دي تطولكم.”

“أمشى؟!”.. الصرخة طلعت من قلبي قبل حلقي. خطوت لجوة الباب، ومتولي حاول يقف في وشي بس كريم زقه بقوة غير متوقعة ووقف هو بيني وبين أبوه. كملت وأنا بجيب أخيري: “أنا لفيت وراك المحافظات! قعدت 13 يوم في المستشفى وبنتي بين الحياة والموت وأنا فاكرة إنك بعتني ورَميتني عشان خفت من المسئولية! طلعت عارف كل حاجة من الأول؟ طلعت عارف إني ندى بنت سارة الدادة اللي أبوك طردها وذلها؟ وسايبني كل الشهور دي فاكرة إنك ندل؟!”

كريم غمض عينيه بوجع شديد، وجسمه كله اتنفض. بص لأبوه وقال بنبرة مليانة كره عمره ما ظهر في عيونه زمان: “قولها يا متولي بيه.. قولها أنت سيبتني أخرج من البيت ده إزاي ليلة ما قالتلي إنها حامل؟ ولا أقولها أنا؟”

متولي وشه اتغير، ونبرة الثقة اللي كانت عنده اتهزت: “كريم! اتلم واعرف أنت بتكلم مين! أنت مش واعِ لكلامك بسبب الأدوية!”

“أنا واعِ لكل حرف!” كريم زعق بصوت هز جدران الفيلا الفخمة، والنجف الثريا اللي في السقف ارتعش مع صوته. كمل وهو باصصلي، ودموعه بتنزل على الخياطة اللي في إيده: “أنا ليلة ما عرفت إنك حامل يا ندى، روحت للحيوان ده.. روحت لأبويا. كنت فاكر إن الأيام غيرته، وكنت فاكر إن السنين مسحت القسوة من قلبه. قلتله أنا لقيت ندى بنت سارة اللي كنت بتدور عليها زمان.. وأنا بحبها وهتجوزها، والبنت حامل في حتة مني.”

قلبي اتعصر وأنا أسمعه. كمل كريم وهو بيتنفس بصعوبة: “عارفة عمل إيه يا ندى؟ ضحك.. ضحك بصوت عالٍ وقاللي: (طول عمرك خايب زي أمك.. بقى رايح تتجوز بنت الشغالة اللي وقفت في وشي؟ عاوز تنضف الوسخة اللي أمها طفشت بيها؟). أنا ساعتها اتجننت، ضربت الترابيزة بإيدي وقلتله إني هتنازل عن كل ممتلكاتي وورثي، ومارسُوش إلا على الشنطة اللي معايا وهسيبله البيت والشركة والملايين وتغور. ولفيت ضهري عشان أخرج وأجيلك..”

سكت كريم فجأة، وبص لإيده المتجبيرة، بدأت .

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى