
مسكت إيدها الحافية، إيدها الدافية رغم كل السنين، ودموعي كانت نازلة تبقع على سيراميك الحمام. كلمة “سامحيني يا بنتي.. أنا مش فاكرة الوش ده” كانت زي السكينة اللي اتغرست في صدري وشقتها نصين. كنت شايفة في عينيها توهة مرعبة، توهة حد عايش في ضباب بقاله عشرين سنة، ومش عارف هو مين ولا جيه منين ولا ليه الدنيا قست عليه للدرجة دي.
نزلت على ركبي تحت رجليها، مسكت إيدها المجعدة وحطيتها على وشي. كنت عايزاها تحس بيا، تفتكر ريحتي، تفتكر اللحظات اللي كانت بتاخدني فيها في حضنها وأنا طفلة صغيرة لما كنت بخاف من صوت الرعد.
“أمي.. بصيلي كدا، أنا شروق.. شروق اللي كنتي بتضفري لها شعرها كل يوم الصبح قبل ما تروح المدرسة؟ فاكرة لما كنتي بتقوليلي إنتي نوري في الدنيا دي؟”
نادية بصلتي ببتاع دقايق، عينيها راحت وجات بين وشي وبين الصورة اللي جوه كبسولة السلسلة الفضة. كان فيه شرارة صغيرة أوي بتنور في عينيها وتطفي في ثانية، زي شمعة بتحاول تقاوم الريح. إيدها اترعشت على خدي، صوابعها الخشنة لمست جلدي، وطلعت منها تنهيدة مشروخة:
“الشعر.. الشعر الأسود.. أنا فاكرة شعر أسود طاويل.. بس الوش.. الوش غايب يا بنتي، الوش مستخبي ورا ضباب أسود كبير!”
في اللحظة دي، باب الحمام اتفتح بسرعة، وطارق دخل وهو متوتر بعد ما سمع صريخي وبكايا اللي كان مالي الدور التاني كله. أول ما دخل وشاف المشهد، وقف مذهول. شاف مراته المغرورة، شروق الشناوي، نازلة على ركبها تحت رجلين ست مشردة من الشارع، وبتعيط بانهيار مش طبيعي.
“شروق! فيه إيه؟ مالك؟ الست دي عملتلك حاجة؟”
رفعت رأسي ليه والدموع مغرية وشي، وصرخت بصوت مشروخ هز جدران المكان:
“دي أمي يا طارق! دي نادية.. أمي اللي قالولي إنها هربت وسابتني وأنا عندي عشر سنين! أمي اللي أبويا قالي إنها ماتت في حادثة في الصعيد وهو بيأدبها! طلعت عايشة.. طلعت مرمية في الشوارع طول السنين دي وأنا عايشة في العز ده كله!”
طارق رجع خطوة لورا من هول الصدمة. عينيه اتوسعت وهو بيحاول يستوعب اللي بسبعه. بص للست الضعيفة المكسورة اللي واقفة بالبرنص، وبصلي أنا والسلسلة المفتوحة في إيدي.
“إنتي بتقولي إيه يا شروق؟ أمك نادية كمال؟ الست اللي أبوكي فرج بيك Herrera هدم الدنيا يدور عليها زمان؟”




